خَدَمُ سَيِّدنا النَّبيّ ﷺ — أَوَّلُهم

۞ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم ۞

سَيِّدُنا زَيْدُ بنُ حارِثة
رضي الله عنه

الطّيِّبُ الأديبُ النّجيبُ، سيّدُ المَوالي وحبيبُ النّبيِّ الحبيب

أحدُ أوّلِ السّابقينَ للإسلام، رفيعُ الدّرجاتِ والمقام، المسمَّى في القرآنِ الكريم، الأميرُ الشّهمُ المستقيم، الشّهيدُ زيدُ بنُ حارثةَ الكَلْبيُّ المكنّى بأبي أُسامةَ المُحَمَّدي رضي الله عنه.

۞ ❀ ✦ ❀ ۞

بِطاقةٌ تعريفيَّة

  • الاسم الكامل زَيْدُ بنُ حارثةَ بنِ شُراحيل الكَلْبيّ
  • الكُنْية أبو أُسامة
  • القبيلة كَلْب — مِن قبائلِ العربِ الشّماليّة
  • مرتبتُه في الإسلام مِن السّابقينَ الأوّلين — أوّلُ المَوالي إسلاماً، وثالثُ ثلاثةٍ في الإسلام بعدَ السّيدةِ خديجةَ وسيّدِنا عليٍّ رضي الله عنهم
  • صِلتُه بالنّبيّ ﷺ مولاهُ وخادِمُه ومُتَبَنّاه قبلَ البعثة، وأحبُّ النّاسِ إليه
  • زوجاتُه السّيدةُ أمُّ أيمنَ بَرَكة، والسّيدةُ زينبُ بنتُ جَحْشٍ رضي الله عنهن
  • أولادُه سيّدُنا أُسامةُ بنُ زَيد، والسّيدةُ رُقَيّةُ بنتُ زَيد رضي الله عنهم
  • شَرَفُه القرآني الصّحابيُّ الوحيدُ الذي سَمّاه اللهُ تعالى باسمِه في كتابِه العزيز
  • استشهادُه في غزوةِ مُؤْتة — السّنةُ الثّامنةُ من الهجرة

١ كيف دَخَلَ سيّدُنا زَيدٌ بيتَ النّبوّة

تربّى سيّدُنا زَيْدٌ رضي الله عنه في بيتِ النّبوّةِ المُبارَك، وكان يُدعى في الجاهليّةِ بـ«زَيدِ بنِ مُحَمَّد»، نِسبةً إلى مَن تَبَنّاه ورَبّاه قبلَ البعثة، وهو سيّدُنا محمّدٌ ﷺ.

وأصلُ القصّةِ كما يَرويها العلماءُ بأسانيدِها: أنّ أباه حارثةَ بنَ شُراحيلَ تزوّجَ في الجاهليّةِ امرأةً مِن طَيِّءٍ مِن نَبهان، فأنجبتْ له جَبَلَةَ وأَسماءَ وزَيداً، ثمّ تُوفِّيَتْ، وأرادَ حارثةُ حَملَهم، فأتى جَدُّهم لأمِّهم وقال: «ما عندنا فهو خيرٌ لهم»، فاتَّفقوا على أن يَحملَ جَبَلَةَ وأَسماءَ ويُخَلِّفَ زَيداً.

ثمّ أغارتْ خيلٌ مِن بني فَزارَةَ مِن تِهامةَ على طَيِّءٍ، فسَبَتْ زَيداً صغيراً، وصيَّرتْهُ إلى سُوقِ عُكاظٍ، فرآهُ النّبيُّ ﷺ — قبلَ أن يُبعَث، حينَ كان يعملُ بمالِ السّيدةِ خديجةَ قبلَ زواجِه منها — فقال للسّيدةِ خديجةَ رضي الله عنها:

شِراءُ الغُلامِ المُبارَك

«يا خديجةُ، رأيتُ في السّوقِ غُلاماً مِن صفتِه كَيْتَ وكَيْت، يَصِفُ عقلاً وأدباً وجمالاً، لو أنّ لي مالاً لاشتريتُه». فأمَرَتْ ورقةَ بنَ نَوفلٍ فاشتراهُ مِن مالها، فلمّا تَزَوَّجَها قال لها ﷺ: «هَبي لي هذا الغُلامَ يا خديجة، بطيبٍ مِن نفسِك». فقالت: أرى غُلاماً وَضيئاً، وأخافُ أن تَبيعَه أو تَهَبه. فقال ﷺ: «ما أردتُ يا مُوَفَّقةُ إلاّ لأتَبَنّاه». فقالت: نعم يا محمّد، فربّاهُ وتَبَنّاه، فكان يُقالُ له: زَيْدُ بنُ مُحَمَّد.

أخرجه الحاكم (٣/٢٣٥) وابنُ عساكر في تاريخه (١٩/٥٣٠)

عودةُ أبيه يَطلبُه

ثمّ جاءَ رجلٌ مِن قَومِه فعَرَفَه ونَظَرَ إليه، فقال: أنتَ زَيْدُ بنُ حارِثة. قال: لا، أنا زَيْدُ بنُ مُحَمَّد. فأخبَرَهُ الرّجلُ بصفةِ أبيه وأعمامِه وأخوالِه. فلمّا وَصَلَ الخبرُ إلى أبيه حارثةَ خَرَجَ إلى مكّةَ، وأتى فِناءَ الكعبةِ في رَهطٍ مِن قَومه، ووَجَدَ رسولَ الله ﷺ في فِناءِ الكعبةِ في نَفَرٍ مِن أصحابه، وفيهم زَيدٌ.

فلمّا تَعارَفوا، عَرَضَ النّبيُّ ﷺ على زَيدٍ أن يَختار: إن شاءَ أقامَ معه، وإن شاءَ ذَهَبَ مع أبيه وأعمامِه. فاختارَ زَيدٌ رضي الله عنه النّبيَّ ﷺ على أبيه وعمِّه وعَشيرتِه:

قَولُه الخالد

قالَ زَيدٌ رضي الله عنه في جوابِ أبيه: «ما أُريدُ بسيّدنا رَسولِ الله بَدَلاً، ولا أُوثِرُ عليه والداً ولا ولداً». فأَدارَوْه واستَعطَفوه فأبى، وحَلَفَ ألاّ يَلحَقَهم. فقال حارثةُ: أمّا أنا فأُواسيكَ بنفسي، فأشهدُ أن لا إلهَ إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبدُه ورسوله. وأبى الباقون.

أخرجه الحاكم (٣/٢٣٥) وابنُ عساكر (١٩/٥٣٠)

فأَعلنَ النّبيُّ ﷺ عند الكعبةِ في مَجامعِ قُريش: «اشهَدوا يا معشرَ قُريشٍ أنّه ابني، يَرِثُني وأَرِثُه». وكان العربُ في الجاهليّةِ يَجعلونَ التّبنّي سَبَباً مِن أسبابِ التّوارُث، ويُعطونَ المُتَبَنَّى أحكامَ الابن، فأقامَ زَيدٌ بمكّةَ في كَنَفِ النّبيِّ ﷺ كأنّه ابنُه، حتّى نَزَلَ القرآنُ بإبطالِ التّبنّي.

٢ سَبْقُه إلى الإسلام

ما إنْ بُعِثَ النّبيُّ ﷺ حتّى كانَ زَيدٌ رضي الله عنه أوّلَ المَوالي إسلاماً، وثالثَ ثلاثةٍ في الإسلام بعدَ السّيدةِ خديجةَ وسيّدِنا عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهم. وقد قالَ بعضُ أهلِ العلم — كعُروَةَ بنِ الزُّبير والإمام الزُّهريّ — إنّه كان أوّلَ مَن أسلمَ على الإطلاق:

عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ قال:

«أوّلُ مَن أسلمَ زَيْدُ بنُ حارِثة».

أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/٢٣٧)

وعن ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ قال:

«أوّلُ مَن أسلمَ زَيْدُ بنُ حارِثة».

أخرجه الطّبرانيُّ في الكبير (٥/٨٤)، وابنُ سعدٍ في الطّبقات (٣/٤٤)

وَقفةٌ تَأمُّليّة

لا شَكَّ أنّه رضي الله عنه كانَ في أوّلِ الثّلاثة، وقبلَ سيّدِنا أبي بكرٍ رضي الله عنه، فلعلَّ سِنَّ سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه المُتَقَدِّمَةَ على المُتَقَدِّمين جَعَلَ هؤلاءِ العلماءَ يُدَوِّنونه أوّلَ الرّجالِ إسلاماً. أمّا في المَوالي فهو الأوّلُ بإجماع.

إسلامُ أخيه جَبَلَةَ بنِ حارِثة

عن جَبَلَةَ بنِ حارثة — أخي زَيدٍ رضي الله عنه — قال:

أتَيتُ النّبيَّ ﷺ فقلت: يا رسولَ الله، ابعَث معي أخي زَيداً. فقال: «هو ذا، إن أرادَ أن يَذهَبَ لم أمنعْه». فقال زَيدٌ رضي الله عنه: واللهِ لا أختارُ عليكَ أحداً. قال جَبَلَةُ: فقلت: إنَّ رأيَ أخي أفضلُ مِن رأيي.

أخرجه الحاكم (٣/٢٣٧)، والتّرمذيُّ (٥/٦٧٦)، والطّبرانيُّ في الكبير (٢/٢٨٦) — وهو حديثٌ صحيح

٣ مَكانتُه في القرآنِ الكريم

مِن أعظمِ خَصائصِ سيّدِنا زَيدٍ رضي الله عنه أنّ اللهَ تعالى ذَكَرَه باسمِه في كتابه العزيز، ولم يُسَمِّ في كتابه صحابيّاً غَيرَه. قال تعالى:

﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وَطَراً زَوَّجناكَها لِكَيْ لا يَكونَ عَلى المُؤمنينَ حَرَجٌ في أَزواجِ أَدعِيائِهِم إِذا قَضَوا مِنهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمرُ اللَّهِ مَفعولاً﴾

سورةُ الأحزاب — الآية ٣٧

وقد فُصِّلتْ قصّةُ زواجه مِن السّيدةِ زينبَ بنتِ جَحشٍ رضي الله عنها — رَضيعةِ النّبيِّ ﷺ — وما تَلاها مِن التّشريعِ في إبطالِ التّبنّي، في الجزءِ الأوّلِ مِن الكتاب.

إبطالُ نِسبَتِه إلى النّبيّ ﷺ

وأَنزلَ اللهُ تعالى أيضاً في حقِّه:

﴿ادعوهُم لآبائِهِم هو أقسطُ عند الله﴾

سورةُ الأحزاب — الآية ٥

عن سيّدِنا عبدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال:

«إنَّ زَيدَ بنَ حارِثةَ مولى رسولِ الله ﷺ، ما كنّا نَدعوه إلاّ زَيدَ بنَ مُحَمَّدٍ، حتّى نَزَلَ القرآن: ﴿ادعوهُم لآبائِهم هو أقسطُ عند الله﴾».

أخرجه البخاريُّ (٦/١١٦)، ومسلمٌ (٤/١٨٨٤)، والتّرمذيُّ (٥/٦٧٦)، والنّسائيُّ في الكبرى (١٠/٢١٥)

٤ أحبُّ النّاسِ إلى رَسولِ الله ﷺ

عن سيّدِنا أُسامةَ بنِ زَيدٍ رضي الله عنهما قال:

اجتمعَ جَعفرٌ وعليٌّ وزَيدُ بنُ حارِثةَ، فقال جَعفر: أنا أحبُّكم إلى رَسولِ الله. وقال عليٌّ: أنا أحبُّكم إلى رَسولِ الله. وقال زَيد: أنا أحبُّكم إلى رَسولِ الله. قالوا: فانطلِقوا بنا إلى رَسولِ الله. فاستأذَنوا، فأذِنَ لهم النّبيُّ ﷺ، فدخلوا وقالوا: يا رسولَ الله، جِئناك نسألُك مَن أحبُّ النّاسِ إليك؟ قال: «فاطمة». قالوا: نسألُك عن الرّجال. قال: «أمّا أنتَ يا جَعفر، فيُشبِهُ خَلقُك خَلقي ويُشبِهُ خُلُقي خُلُقَك، وأنتَ إليَّ ومِن شجرتي. وأمّا أنتَ يا عليُّ، فأخي وأبو وَلَدي، ومنّي وإليَّ. وأمّا أنتَ يا زَيدُ، فمَولاي ومنّي وإليَّ، وأحبُّ القَومِ إليَّ».

أخرجه الحاكم (٣/٢٣٩) — صحيحٌ على شرطِ مسلم — وأحمد (٥/٢٠٤). وَوَافَقَه الذَّهبيّ

وعن أُسامةَ بنِ زَيدٍ رضي الله عنهما أيضاً قال:

كنتُ جالساً، إذ جاءَ عليٌّ والعَبّاسُ يَستأذنان، فقالا: يا أُسامة، استأذِنْ لنا على رَسولِ الله ﷺ. فاستأذَنتُ، فقال النّبيُّ ﷺ: «ائذَنْ لهما». فدخلا وقالا: يا رسولَ الله، جِئناكَ نَسألُك أيُّ أهلِك أحبُّ إليك؟ قال: «فاطمةُ بنتُ مُحَمَّد». قالا: ما عن أهلِك سَألناك. قال: «أحبُّ أهلي إليَّ مَن أنعمَ اللهُ عليه وأنعمتُ عليه أُسامةَ بنَ زَيد». قالا: ثمّ مَن؟ قال: «ثمّ عليُّ بنُ أبي طالب».

أخرجه الحاكم (٢/٤٥٢)، والتّرمذيُّ (٥/٦٧٨)، والبزّار (٧/٧١)، والطّبرانيُّ في الكبير (١/١٥٨) — حسن

٥ مَنزلةٌ خاصّة: المُؤاخاةُ والتّزويج

آخى النّبيُّ ﷺ بينَ خادمِه وعمِّه رضي الله عنهما

عن زَيدِ بنِ حارِثةَ رضي الله عنه:

«يا رَسولَ الله، آخَيتَ بَيني وبينَ حمزةَ بنِ عبدِ المُطَّلِب».

أخرجه أبو يَعلى (١٣/١٦٩)، والبزّار (٤/١٦٧)، والطّبرانيُّ في الكبير (٣/١٤١) — وإسنادُه صحيح

انظُرْ إلى هذا التّكريمِ العظيم: عمُّ النّبيّ ﷺ وأَسَدُ الله، يُؤاخى مع زَيدٍ رضي الله عنه، رفعاً لمنزلتِه وإقراراً بمكانتِه في قلبِ النّبيّ ﷺ.

تزويجُه مِن ابنةِ عمَّتِه القُرَشيّة رضي الله عنها

أرادَ النّبيُّ ﷺ أن يَبني أساساً قويّاً لإزالةِ الفوارقِ الطّبَقيّةِ وآثارِ الجاهليّةِ القائمةِ على التّقاليدِ الخاطئةِ والعنصريّةِ والتّمييزِ المَقيت. فزَوَّجَ خادِمَه ومولاهُ زَيداً رضي الله عنه مِن ابنةِ عمّته السّيدةِ زينبَ بنتِ جَحْشٍ القُرَشيّةِ رضي الله عنها، التي كانتْ مِن بيتٍ مَرموقٍ ذي شَرَفٍ ومَكانة.

عن السّيدةِ زينبَ بنتِ جَحْشٍ رضي الله عنها قالت:

خَطَبَني عِدَّةٌ مِن قُريش، فأرسلَتْ أُختي حَمْنةُ إلى رَسولِ الله ﷺ أستشيره، فقال لها رَسولُ الله ﷺ: «أينَ هي مِمَّن يُعَلِّمُها كتابَ ربِّها وسُنَّةَ نَبِيِّها؟». قالت: ومَن هو يا رسولَ الله؟ قال: «زَيدُ بنُ حارِثة». فغضبتْ حَمْنةُ غَضَباً شديداً، وقالت: يا رسولَ الله، أتُزَوِّجُ ابنةَ عمَّتِك مَولاكَ؟ فأنزلَ اللهُ تعالى:

﴿وَما كانَ لِمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمراً أَن يَكونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم...﴾
[الأحزاب: ٣٦]

أخرجه الطّبرانيُّ في الكبير (٢٤/٣٩)، وأبو نُعيمٍ في الحلية (٢/٥١)، والبيهقيُّ (٧/١٣٦)

٦ مَواقفُ مِن تَكريمِ النَّبيِّ ﷺ له

كانَ يُعطيه سِلاحَه ﷺ

عن جَبَلَةَ بنِ حارثةَ — أخي زَيدٍ رضي الله عنه — قال:

«كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا لم يَغزُ لم يُعطِ سلاحَه إلاّ عليّاً أو زَيداً».

أخرجه الحاكم (٣/٢٤٠) — صحيحٌ على شرط البخاريّ — ووافَقَه الذّهبيّ

كانَ يُلبِسُه ممّا يَلبَسُ ﷺ

وعن جَبَلَةَ أيضاً رضي الله عنه:

«أُهديَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ حُلَّتان، فأخذَ إحداهُما وأعطى زَيداً الأخرى».

أخرجه الحاكم (٣/٢٤١) — صحيحٌ على شرط البخاريّ — ووافَقَه الذّهبيّ

كانَ يُؤَمِّرُه على الجيش ﷺ

عن خالدِ بنِ سَميرٍ قال:

قَدِمَ علينا عبدُ اللهِ بنُ رَباحٍ الأنصاريّ، فأتيتُه وقد اجتَمَعَ إليه ناسٌ مِن النّاس، فقال: حدّثنا أبو قَتادةَ فارسُ رَسولِ اللهِ ﷺ قال: بَعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ جيشَ الأمراء، وقال: «عليكم زَيدُ بنُ حارثة، فإنْ أُصيبَ زَيدٌ فجَعفر، فإنْ أُصيبَ جَعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحة»... فمضَوا فلَبِثوا ما شاءَ الله، ثمّ إنّ رَسولَ اللهِ ﷺ صَعِدَ المنبر، وأمَرَ أن يُنادى: الصّلاةُ جامعة. فقال: «ألاَ أُخبركم عن جيشِكم هذا الغازي؟ انطَلَقوا فلَقُوا العَدُوّ، فأُصيبَ زَيدٌ شهيداً، فاستَغفِروا له...».

أخرجه النّسائيُّ في الكبرى (٧/٣٤٨)، وابنُ حِبّان (١٥/٥٢٢)، وأحمد (٥/٢٩٩) — صحيح

وعن سيّدِنا سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ رضي الله عنه قال:

«غَزَوتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ سَبعَ غَزواتٍ، ومع زَيدِ بنِ حارِثةَ تِسعَ غَزواتٍ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُؤَمِّرُه علينا».

أخرجه الحاكم (٣/٢٤١)، وابنُ حِبّان (١٦/١٣٩)، وأحمد (٤/٥٤) — صحيح

شَهادةُ السّيدةِ عائشةَ رضي الله عنها

قالتْ السّيدةُ أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها: «ما بَعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَيدَ بنَ حارِثةَ في جيشٍ قَطُّ إلاّ أمَّرَه، ولو بَقيَ بَعدَه لاسْتَخلَفَه». أخرجه الحاكم (١/٢٩٤) والنّسائيُّ في الكبرى (١/١٩٦) وأحمد (٦/٢٢٦) — حسن.

٧ شَهادةُ القائفِ ودَفْعُ طَعنِ المنافقين

كانَ زَيدٌ رضي الله عنه أبيضَ شَديدَ البياض، قَصيرَ القامة، وكانَ ابنُه أُسامةُ رضي الله عنه أسودَ شَديدَ السُّمرةِ طَويلَ القامة، فطَعَنَ المنافقونَ والمشركونَ في نَسَبِ أُسامةَ، إغاظةً للنّبيّ ﷺ، لمعرفتِهم بمقدارِ حُبِّه لزَيدٍ وذُرّيّته.

عن السّيدةِ عائشةَ رضي الله عنها قالت:

دَخَلَ عليَّ قائفٌ — وهو الذي يَعرفُ نَسَبَ الإنسانِ بفِراستِه — والنَّبيُّ ﷺ شاهد، وأُسامةُ بنُ زَيدٍ وزَيدُ بنُ حارثةَ مُضطَجِعان، وعليهما قَطيفةٌ قد غطَّيا رؤوسَهما، فقال: «إنّ هذه الأقدامَ بعضُها مِن بَعض». فسُرَّ بذلك النّبيُّ ﷺ وأَعجبَه، وأخبرَ بذلك عائشة.

أخرجه البخاريُّ (٥/٢٣)، ومسلمٌ (٢/١٠٨٢)، وأبو داود (٢/٢٨٠)، والتّرمذيُّ (٤/٤٤٠)، وأحمد (٦/٣٨)

والقائفُ هو الذي يَقفو الأثر. وكانَ الصّحابيُّ مُجَزِّزٌ المُدلِجيُّ هو الذي أَدخلَ السّرورَ على بَنانِ النّبيِّ ﷺ بقوله ذلك، وهو لم يكن يَعرفُ زَيداً ولا أُسامةَ مِن قَبل، فكانتْ تلك شَهادتُه قاصمةً لكَيدِ الشّانئين.

٨ اِستشهادُه في غَزوةِ مُؤْتة

لازَمَ سيّدُنا زَيدٌ رضي الله عنه جَنابَ النَّبيِّ ﷺ وهاجرَ معه، وأمَّرَه النّبيُّ ﷺ على بعضِ الغزواتِ والكتائب، وكانتْ منزلتُه عند النّبيّ ﷺ عظيمةً، حتّى قَضى الأميرُ شَهيداً في غزوةِ مُؤْتةَ في السّنةِ الثّامنةِ مِن الهجرة.

عن أبي مَيسَرةَ قال:

لمّا أتى النَّبيَّ ﷺ قَتلُ زَيدٍ وجَعفرٍ وعبدِ اللهِ بنِ رَواحةَ ذَكَرَ أمرَهم فقال: «اللَّهُمَّ اغفِر لزَيد، اللَّهُمَّ اغفِر لزَيد، اللَّهُمَّ اغفِر لزَيد، اللَّهُمَّ اغفِر لجَعفرٍ وعبدِ اللهِ بنِ رَواحة».

أخرجه ابنُ أبي شيبة (٣/٤٥)، وأحمد في فضائل الصّحابة (٢/٨٣٦)، وابنُ سعدٍ (٣/٤٦)

وعن خالدِ بنِ سَلَمَةَ المَخزوميّ قال:

لمّا جاءَ مُصابُ جَعفرٍ وزَيدٍ، أتى رَسولُ اللهِ ﷺ منزلَ زَيد، فلمّا كانَ بالباب تَلَقَّتْه ابنةٌ لزَيدٍ فأَجهَشَتْ في وجهه بالبُكاء، فبَكى ﷺ حتّى انتَحَب، فقيلَ: يا رَسولَ الله ما هذا؟ قال: «شَوقُ الحبيبِ إلى الحبيب».

أخرجه أبو داود في المراسيل (١/٢٩٧)، وابنُ سعدٍ (٣/٤٧)، وابنُ عساكر (١٩/٣٧١)

٩ ذُرِّيَّةُ سيّدِنا زَيدٍ رضي الله عنه

  • أُسامةُ بنُ زَيدٍ رضي الله عنه — وأُمُّه السّيدةُ أمُّ أيمنَ بَرَكة رضي الله عنها
  • السّيدةُ رُقَيّةُ بنتُ زَيدٍ رضي الله عنها — وأُمُّها السّيدةُ أمُّ كُلثومٍ بنتُ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ رضي الله عنها
۞ المَصدَر ۞ كتابُ «خَدَمُ سَيِّدِنا النَّبيِّ ﷺ»

تأليف فضيلة الشّيخ خالد محمود البَقّار حفظه الله

الطّبعة الأولى — مونتريال، كندا — ١٤٤١هـ / ٢٠٢٠م
ISBN : 978-9938-907-85-8

الصّفحات: ٢٤ — ٣٤