خَدَمُ سَيِّدنا النَّبيّ ﷺ — الخامِس

۞ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم ۞

سيّدُنا أَنَسُ بنُ مالكٍ الأَنصاريّ
رضي الله عنه

خادِمُ النَّبيّ ﷺ عَشرَ سنين، بَرَكةُ دَعوَتِه، رَيحانةُ الأَنصار

هو السَّيّدُ الصَّبيُّ الفَهّامةُ الأَلمَعيُّ الصَّفيُّ الذَّكيّ، الشَّيخُ المُفتي حافِظُ السِّرّ، الإمامُ العَلاّمة، الخادِمُ الحُرّ، المُحَدِّثُ المُرَبِّي، بَرَكةُ دَعوَةِ سيّدِنا النَّبيّ ﷺ، أبو حَمزةَ أَنَسُ بنُ مالكٍ الأَنصاريُّ الخَزرَجيّ رضي الله عنه.

۞ ❀ ✦ ❀ ۞

بِطاقةٌ تعريفيَّة

  • الاسم الكامل أَنَسُ بنُ مالكِ بنِ النَّضرِ الأَنصاريُّ الخَزرَجيّ
  • الكُنية أبو حَمزة
  • مَولده قَبلَ الهِجرةِ بعَشرِ سَنَوات — كانَ عُمُرُه يومَ دُخولِ النَّبيّ ﷺ المَدينةَ عَشرَ سِنين
  • أَبوه مالكُ بنُ النَّضر — ذَهَبَ إلى الشَّامِ وماتَ فيها على غَيرِ الإسلام
  • أُمُّه السَّيّدةُ أُمُّ سُلَيمٍ بنتُ مِلحانَ الأَنصاريّة رضي الله عنها — واحِدةٌ مِن أَفضَلِ نِساءِ الإسلام
  • زَوجُ أُمِّه سيّدُنا أبو طَلحةَ زَيدُ بنُ سَهلٍ الأَنصاريُّ رضي الله عنه — كانَ صَداقُها الإسلام
  • صِلتُه بالنَّبيّ ﷺ خادِمُه عَشرَ سِنين — قَدَّمَته أُمُّه للخِدمَةِ يومَ مَقدَمِ النَّبيّ ﷺ المَدينَة
  • دَعوةُ النَّبيّ ﷺ له «اللَّهُمَّ أَكثِر مالَه ووَلَده، وبارِك له فيهم، وأَدخِله الجَنَّة»
  • مَقامُه الإمامُ العَلاّمة، المُحَدِّثُ المُفتي، حافِظُ سِرِّ النَّبيّ ﷺ، خادِمُ الرَّحمَة
  • حُضورُه بَدراً شَهِدَ بَدراً صَبيّاً خادِماً للنَّبيّ ﷺ — ولم يَحضُر مُقاتِلاً

١ مَولده وأَبواه

وُلِدَ سيّدُنا أَنَسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه قَبلَ الهِجرَةِ بعَشرِ سَنَوات، أي: كانَ عُمُرُه يومَ دُخولِ سيّدِنا النَّبيّ ﷺ المَدينةَ المُنَوَّرَةَ مُهاجِراً عَشرَ سِنين.

أَبوه هو مالكُ بنُ النَّضر، ذَهَبَ إلى الشَّامِ وماتَ فيها على غَيرِ الإسلام. وأمّا أُمُّه فهي السَّيّدةُ أُمُّ سُلَيمٍ بنتُ مِلحانَ الأَنصاريّة رضي الله عنها، واحِدةٌ مِن أَفضَلِ نِساءِ الإسلام.

ماتَ زَوجُها مالكُ بنُ النَّضرِ قَبلَ أن يُسلِم، ثمَّ تَزَوَّجَها أبو طَلحةَ زَيدُ بنُ سَهلٍ الأَنصاريُّ رضي الله عنه، فوَلَدَتْ له أبا عُمَيرٍ وعبدَ الله، وشَهِدَت مع سيّدِنا النَّبيّ ﷺ حُنَيناً وأُحُداً وخَيبَراً.

٢ إسلامُ سيّدِنا أَنَسٍ بتَلقينِ أُمِّه الصِّدّيقة

الأمُّ تُلَقِّنُ ابنَها الشَّهادَة

عَن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، عَن جَدَّتِه أُمِّ سُلَيمٍ رضي الله عنها، أنَّها آمَنَت برَسولِ الله ﷺ. قالت:

«فجاءَ أبو أَنَسٍ وكانَ غائِباً، فقال: أَصَبَوت؟ قالَت: «ما صَبَوت، ولَكِنّي آمَنتُ بهذا الرَّجُلِ (سيّدِنا رَسولِ اللهِ ﷺ)». قالَت: فجَعَلَت تُلَقِّنُ أَنَساً وتُشيرُ إليه: قُل: لا إلهَ إلاّ الله، قُل: أَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله. ففَعَل. قال: فيقولُ لها أَبوه: لا تُفسِدي عليَّ ابني! فتَقولُ: «إنّي لا أُفسِدُه». قال: فخَرَجَ (مُسافِراً) مالِكٌ أبو أَنَسٍ فماتَ».

أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٨/٤٢٥) — وإسنادُه حَسَن

٣ الأُمُّ الأَرمَلةُ العاقِلَةُ النَّجيبة: صَداقُها الإسلام

مَهرُ أُمِّ سُلَيمٍ الإسلام

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه، أنَّ أبا طَلحةَ خَطَبَ أمَّ سُلَيمٍ رضي الله عنها، فقالت:

««يا أبا طَلحة، أَلَستَ تَعلَمُ أنَّ إلهَكَ الَّذي تَعبُدُ خَشَبةٌ نَبَتَتْ مِن الأَرضِ نَجَرَها حَبَشيُّ بَني فُلان؟ إن أَنتَ أَسلَمتَ لم أُرِد مِنكَ مِن الصَّداقِ غَيرَه». قال: فذَهَبَ ثمّ جاء، فقال: أَشهَدُ أن لا إلهَ إلاّ الله، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله. قالت: «يا أَنَس، زَوِّجْ أبا طَلحة»».

أخرجَه الحاكمُ (٢/١٩٥)، وابنُ أبي شَيبة (٤/٧٤) — وإسنادُه صَحيح

فائدةٌ في تَربيَتِها

ما تَزَوَّجَت رضي الله عنها حتّى أَمِنَت على وَلَدِها سيّدِنا أَنَسٍ في حِجرِ أَعظَمِ مُرَبٍّ خَلَقَه اللهُ تعالى. فعَن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبي طَلحة، أنَّه قال: «خَطَبَ أبو طَلحةَ أُمَّ سُلَيمٍ بنتَ مِلحان، وكانَت أُمُّ سُلَيمٍ تقول: «لا أَتَزَوَّجُ حتّى يَبلُغَ أَنَسٌ ويَجلِسَ في المَجالِسِ فيقولَ: جَزى اللهُ أُمّي عَنّي خَيراً، لقَد أَحسَنَت وِلايَتي»».

٤ مِن مَناقبِ أُمِّه السَّيّدةِ أمِّ سُلَيمٍ رضي الله عنها

الأُمُّ العاقِلَةُ الرَّشيدة: قِصَّةُ أَبي عُمَير

عَن أَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال:

«كانَ لأَبي طَلحةَ ابنٌ يَشتَكي، فخَرَجَ أبو طَلحة، فقُبِضَ الصَّبيّ، فلمّا رَجَعَ أبو طَلحةَ قال: ما فَعَلَ ابني؟ قالَت أُمُّ سُلَيم: «هو أَسكَنُ ممّا كان»، فقَرَّبَت إليه العَشاءَ فتَعَشّى، ثمّ أَصابَ مِنها، فلمّا فَرَغَ قالَت: وارُوا الصَّبيّ. فلمّا أَصبَحَ أَتى أبو طَلحةَ النَّبيَّ ﷺ فأَخبَرَه، فقال ﷺ: «أَعرَستُم اللَّيلة؟» قال: نَعَم. قال: «اللَّهُمَّ بارِك لهُما»، فوَلَدَت غُلاماً، فقالَ لي أبو طَلحة: «احمِلْه حتّى تَأتيَ به النَّبيَّ ﷺ»، فأَتى به النَّبيَّ ﷺ وبَعَثَت مَعَه بتَمَرات، فأَخَذَه النَّبيُّ ﷺ فقال: «أَمَعَه شَيء؟» قالوا: نَعَم، تَمَرات. فأَخَذَها النَّبيُّ ﷺ فمَضَغَها، ثمّ أَخَذَها مِن فيه، فجَعَلَها في في الصَّبيّ، ثمّ حَنَّكَه، وسَمّاه النَّبيُّ ﷺ عبدَ الله».

أخرجَه البُخاريُّ (٧/٨٤)، ومُسلمٌ (٣/١٦٨٩)، وأحمد (٣/١٠٦)

المُدافِعَةُ عَن النَّبيّ ﷺ يومَ أُحُدٍ وحُنَين

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه:

«أنَّ أُمَّ سُلَيمٍ اتَّخَذَت خِنجَراً يومَ حُنَين. فقالَ أبو طَلحة: يا رَسولَ الله، هذه أُمُّ سُلَيمٍ مَعَها خِنجَر. فقالَت: «يا رَسولَ الله، أَتَّخِذُه إن دَنا مِنّي أَحَدٌ مِن المُشرِكينَ بَقَرتُ به بَطنَه»».

أخرجَه أبو داودَ (٣/١٧)، وابنُ حِبّان (١١/١٦٩)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢٥/١١٩)، وابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٨/٤٢٥)

وتَكَرَّرَ هذا الفِعلُ البُطولِيُّ مِنها في أُحُدٍ وخَيبَر.

أُمُّ سيّدِنا أَنَسٍ مِن المُبَشَّراتِ بالجَنَّة

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه، عَن النَّبيّ ﷺ قال:

««دَخَلتُ الجَنَّةَ فسَمِعتُ خَشفَةً (حَرَكةُ المَشيِ وصَوتُه)، فقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذه الغُمَيصاءُ بنتُ مِلحان، أُمُّ أَنَسِ بنِ مالك»».

أخرجَه مُسلمٌ (٤/١٩٠٨)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٠٤)، وأحمد

وعَن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال:

««أُريتُ الجَنَّةَ فرَأَيتُ امرأَةَ أَبي طَلحةَ، ثمّ سَمِعتُ خَشخَشةً أَمامي، فإذا بِلال»».

أخرجَه البُخاريُّ (٥/١٠)، ومُسلمٌ (٤/١٩٠٨)

مُعامَلةُ النَّبيّ ﷺ لها مُعامَلَةً خاصَّة

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه:

«أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكُن يَدخُلُ بَيتاً بالمَدينةِ غَيرَ بَيتِ أُمِّ سُلَيمٍ إلاّ على أَزواجِه، فقيلَ له، فقال: «إنّي أَرحَمُها، قُتِلَ أَخوها (حَرامُ بنُ مِلحان) مَعي»» (قُتِلَ يومَ بِئرِ مَعونة).

أخرجَه البُخاريُّ (٤/٧٢)، ومُسلمٌ (٤/١٩٠٨)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (٢/٦١)

٥ نَماذِجُ مِن حُبِّ ذلكَ البَيتِ لسيّدِنا النَّبيّ ﷺ

أُمُّ سُلَيمٍ تَتَطَيَّبُ بعَرَقِ الحَبيبِ ﷺ

عَن أَنَسٍ، عَن أُمِّ سُلَيمٍ رضي الله عنهما:

«أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَأتيها فيَقيلُ عندَها، فتَبسُطُ له نِطعاً فيَقيلُ عَلَيه، وكانَ كَثيرَ العَرَق، فكانَت تَجمَعُ عَرَقَه فتَجعَلُه في الطِّيبِ والقَوارير، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «يا أُمَّ سُلَيمٍ ما هذا؟» قالَت: عَرَقُكَ أَدوفُ (أَخلِطُ) به طيبي. فقالَ ﷺ: «هذا مِن أَطيَبِ الطِّيب»».

أخرجَه مُسلمٌ (٤/١٨١٦)، وأحمد (٦/٣٧٦)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢٥/١٢٢)

تَقطَعُ فَمَ القِربةِ الَّتي شَرِبَ مِنها ﷺ تَبَرُّكاً

عَن أُمِّ سُلَيمٍ رضي الله عنها:

«أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيها، وعِندَها قِربَةٌ مُعَلَّقة، فقامَ إليها، فشَرِبَ مِن فَمِها، فقامَت إلى فَمِ القِربةِ فقَطَعَتها».

أخرجَه أحمد (٣/١١٩)، وابنُ الجارودِ (١/٢٢٠)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢٥/١٢٦) — وإسنادُه حَسَن

تَترُكُ غُرَّةَ شَعرِ ابنِها ولا تَقطَعُها

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه قال:

«كانَت لي ذُؤابةٌ (غُرَّةُ الشَّعرِ في مُقَدَّمِ الرَّأس)، فقالَت لي أُمّي: «لا أَجُزُّها (لا أَقطَعُها)، كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأخُذُ بها (بيَدِه الشَّريفة) ويَمُدُّها»».

أخرجَه أبو داودَ (٤/٨٤)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (١/٢٤٩)، والبَيهقيُّ في الشُّعَب (٨/٤٤٢) — وإسنادُه حَسَن

سيّدُنا أَنَسٌ يَحتَفِظُ بقَدَحِ النَّبيّ ﷺ تَبَرُّكاً

عَن عاصمٍ الأَحوَلِ قال: رَأَيتُ قَدَحَ النَّبيّ ﷺ عندَ أَنَسِ بنِ مالك:

«وقَد كانَ (انشَقَّ) انصَدَعَ فسَلسَلَه (وَصَلَ بَعضَه ببَعضٍ) بفِضَّة. قال: وهو قَدَحٌ جَيِّدٌ عَريضٌ مِن نُضار (نَوعٌ مِن الخَشَب). قال: قالَ أَنَس: «لَقَد سَقَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ في هذا القَدَحِ أَكثَرَ مِن كَذا وكَذا». وقالَ ابنُ سيرين: إنَّه كانَ فيه حَلَقَةٌ مِن حَديد، فأَرادَ أَنَسٌ أن يَجعَلَ مَكانَها حَلَقَةً مِن ذَهَبٍ أو فِضَّة، فقالَ له أبو طَلحة: «لا تُغَيِّرَنَّ شَيئاً صَنَعَه رَسولُ اللهِ ﷺ». فتَرَكَه».

أخرجَه البُخاريُّ (٧/١١٣)، ومُسلمٌ (٣/١٥٩١)، والطَّحاويُّ في مُشكَلِ الآثار (٤/١٤)، والبَيهقيُّ (١/٧٤)

جَدَّةُ سيّدِنا أَنَسٍ تَدعو النَّبيَّ ﷺ لبَيتِها تَبَرُّكاً

عَن أَنَسِ بنِ مالك، أنَّ جَدَّتَه مُلَيكَة رضي الله عنها:

«دَعَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ لطَعامٍ صَنَعَته له، فأَكَلَ مِنه، ثمّ قال: «قوموا فلأُصَلِّ لَكم». قالَ أَنَس: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لَنا (بِساطٌ مَنسوجٌ مِن وَرَقِ النَّخل)، قَد اسوَدَّ مِن طولِ ما لُبِس، فنَضَحتُه بماء (لِتَنظيفِه)، فقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ، وصَفَفتُ (اليَتيمَ ضُمَيرةَ بنَ أَبي ضُمَيرةَ خادِمَ النَّبيّ ﷺ) وَراءه، والعَجوزَ مِن وَرائنا، فصَلّى لنا رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعَتَين، ثمّ انصَرَف».

أخرجَه البُخاريُّ (١/٨٦)، ومُسلمٌ (١/٤٥٧)، وأبو داودَ (١/١٦٦)، والتِّرمِذيُّ (١/٤٥٤)، والنَّسائيُّ (٢/٨٥)

٦ مُعجِزَةُ البَرَكَةِ في بَيتِ أَبي طَلحة

إطعامُ ثَمانينَ ومَعَ ذلكَ يَفضُلُ الطَّعام

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه:

«أنَّ أَبا طَلحةَ رأى رَسولَ اللهِ ﷺ طاوِياً (جائعاً)، فجاءَ إلى أُمِّ سُلَيم، فقال: إنّي رَأَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ طاوِياً، فَهَل عندَكِ شَيء؟ قالَت: ما عندَنا إلاّ نَحوٌ مِن مُدٍّ (مِلءُ الكَفَّين) مِن دَقيقِ شَعير. قال: «فاعجِنيه وأَصلِحيه، عَسى أن نَدعوَ رَسولَ اللهِ ﷺ فيَأكُلَ عِندَنا». قال: فعَجَنَته وخَبَزَته، فجاءَ قُرصاً. قال: فقالَ لي (لأَنَس): «ادعُ النَّبيَّ ﷺ». قال: فأَتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ومَعَه ناس، بَضعَةٌ وثَمانون، فقالَ لأصحابِه: «أَجيبوا أبا طَلحة». فجِئتُ مُسرِعاً حتّى أَخبَرتُه أنَّه قد جاءَ أَصحابُه. فقالَ أبو طَلحة: يا رَسولَ الله، ما عندَنا شَيءٌ إلاّ قُرص، رَأَيتُكَ طاوِياً فأَمَرتُ أُمَّ سُلَيمٍ فجَعَلَت لكَ قُرصاً. قال: فدَعا بالقُرصِ، ودَعا بالجَفنَة، فوَضَعَه فيها. فقال: «هَل مِن سَمن؟»، قالَ أبو طَلحة: قد كانَ في العُكَّة (إناءٌ مِن جِلدٍ يُجعَلُ فيه السَّمن) شَيء، قال: فجاءَ بها. قال: فجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ وأبو طَلحةَ يَعصِرانِها حتّى خَرَجَ شَيء. ثمّ مَسَحَ النَّبيُّ ﷺ سَبّابَتَه، ثمّ مَسَحَ القُرص: فانتَفَخ. فقال: «باسمِ الله»، فانتَفَخ، فلم يَزَل يَصنَعُ ذلكَ والقُرصُ يَنتَفِخ، حتّى رَأَيتُ القُرصَ في الجَفنَةِ يَتَصَيَّعُ (يَربو ويَكبَر). فقال: «ادعُ عَشَرةً مِن أَصحابي»، فدَعَوتُ له عَشَرة، فوَضَعَ النَّبيُّ ﷺ يَدَه وَسَطَ القُرصِ فقال: «كُلوا بسمِ الله»، فأَكَلوا حَوالي القُرصِ حتّى شَبِعوا. ثمّ قال: «ادعُ لي عَشَرةً آخَرين»، فدَعَوتُ له عَشَرةً آخَرين، فقال: «كُلوا بسمِ الله»، فأَكَلوا حَوالي القُرصِ حتّى شَبِعوا. فلم يَزَل يَدعو عَشَرةً عَشَرةً يَأكُلونَ مِن ذلكَ القُرصِ حتّى شَبِعوا، وإنَّ وَسَطَ القُرصِ حَيثُ وَضَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَه كَما هو».

أخرجَه ابنُ حِبّان (١٢/٩٢)، والبَزّار (١٣/٢٦٤)، وأبو يَعلى (٧/١٧٤)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢٥/١١١) — وإسنادُه حَسَن

٧ الأُمُّ الصَّالحةُ تُقَدِّمُ وَلَدَها لخِدمَةِ سَيِّدِ الخَلق

عَن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ عَن أَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال:

«قَدِمَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَدينَة، فأَخَذَت أُمّي بيَدي فانطَلَقَت بي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فقالَت: يا رَسولَ الله، إنَّه لم يَبقَ رَجُلٌ ولا امرأَةٌ مِن الأَنصارِ إلاّ قد أَتحَفَكَ بتُحفَة، وإنّي لا أَقدِرُ على ما أُتحِفُكَ به إلاّ ابني هذا، فخُذْه فلْيَخدُمْكَ ما بَدا لَك، فخَدَمتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عَشرَ سِنين، فما ضَرَبَني ضَربَة، ولا سَبَّني سَبَّة، ولا انتَهَرَني، ولا عَبَسَ في وَجهي. وكانَ أوَّلَ ما أَوصاني به أن قال: «يا بُنَيّ، اكتُمْ سِرّي تَكُن مُؤمِناً»».

أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٨/١٠٤) — وإسنادُه مَقبول
دَعوةُ النَّبيّ ﷺ لخادِمِه

وعَن أَنَسٍ رضي الله عنه قال:

«جاءَت بي أُمّي أمُّ أَنَسٍ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، وقد أَزَّرَتني بنِصفِ خِمارِها، ورَدَّتني بنِصفِه، فقالَت: يا رَسولَ الله، هذا أُنَيسٌ ابني، أَتَيتُكَ به يَخدُمُك، فادعُ اللهَ له. فقالَ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَكثِر مالَه ووَلَده». قالَ أَنَس: «فوَاللهِ إنَّ مالي لَكَثير، وإنَّ وَلَدي ووَلَدَ وَلَدي ليَتَعادّونَ على نَحوِ المِئَةِ اليَوم»».

أخرجَه أبو يَعلى (٦/٣٠٦) — والحَديثُ حَسَنٌ لغَيره
البِشارَةُ بالجَنَّة

وعَن أَنَسٍ قال: جاءَت بي أمُّ سُلَيمٍ إلى النَّبيّ ﷺ وأنا غُلام، فقالَت:

«يا رَسولَ الله، أُنَيسٌ ادعُ له. فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَكثِر مالَه ووَلَده، وأَدخِلْه الجَنَّة». قال: فلَقَد رَأَيتُ اثنَتَين وأنا أَرجو الثّالِثَة».

أخرجَه مُسلمٌ (٧/١٦٠)، والتِّرمِذيُّ (٥/٦٤٠)، وأحمد (٣/١٩٤)

٨ خِدمَتُه للنَّبيّ ﷺ عَشرَ سِنين — الشَّهادَةُ الخالِدة

شَهادَةُ الخَادِم الخالِدة

عَن ثابتٍ البُنانيّ قال: قُلتُ لأَنَسِ بنِ مالك: كَم خَدَمتَ رَسولَ الله ﷺ؟ قال:

««عَشرَ سِنين، فلَم يُغَيِّر عَليَّ في شَيءٍ أَسَأتُ ولا أَحسَنتُ»».

أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٨/١٠٤)

وعَن أَنَسٍ رضي الله عنه قال:

«خَدَمتُ النَّبيَّ ﷺ عَشرَ سِنين، فما قالَ لي أُفٍّ قَطّ، وما قالَ لِشَيءٍ صَنَعتُه: لِمَ صَنَعتَه؟ ولا لِشَيءٍ تَرَكتُه: لِمَ تَرَكتَه؟ وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِن أَحسَنِ النّاسِ خُلُقاً، وما مَسَستُ خَزّاً ولا حَريراً ولا شَيئاً كانَ أَلينَ مِن كَفِّ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا شَمِمتُ مِسكاً قَطّ ولا عِطراً كانَ أَطيَبَ مِن عَرَقِ النَّبيّ ﷺ».

أخرجَه مُسلمٌ (٧/٨١)، والتِّرمِذيُّ (٤/٣٦٨)

مِن هَديه ﷺ مَعَ خادِمِه

وعَن أَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «لم يَكُن النَّبيُّ ﷺ سَبّاباً، ولا فَحّاشاً، ولا لَعّاناً، كانَ يقولُ لأَحَدِنا عندَ المَعتَبَة: «ما له تَرِبَ جَبينُه»» أَخرَجَه البُخاريُّ (٨/١٣) وأحمد (٣/١٢٦). ومَعناها: رَزَقَه اللهُ الطَّاعةَ وكَثرَةَ السُّجود.

٩ الخادِمُ المُحِبُّ يَصِفُ لَنا جَنابَ سيّدِنا النَّبيّ ﷺ

وَصفٌ خالِدٌ للحَبيبِ ﷺ

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه قال:

««كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَزهَرَ اللَّون، كأنَّ عَرَقَه اللُّؤلُؤ، إذا مَشى تَكَفَّأ، وما مَسَستُ ديباجَةً ولا حَريرَةً أَلينَ مِن كَفِّ رَسولِ اللهِ ﷺ، ولا شَمِمتُ مِسكةً ولا عَنبَرَةً أَطيَبَ مِن رائحَةِ رَسولِ اللهِ ﷺ»».

أخرجَه البُخاريُّ (٤/١٨٧)، ومُسلمٌ (٤/١٨١٥)

وعَن ثابتٍ قال: قيلَ لأَنَسٍ رضي الله عنه: هل شابَ رَسولُ الله ﷺ؟ قال:

««ما شانَه اللهُ بالشَّيب، ما كانَ في رَأسِه ولِحيَتِه إلاّ سَبعَ عَشرَةَ أو ثَماني عَشرَةَ»».

أخرجَه الحاكمُ (٢/٦٦٤)، وأحمد (٣/٢٥٤)، والبَيهقيُّ في الدَّلائل (١/٢٣٢)، وابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (١/٤٣١)

١٠ مُعجِزَتانِ يَنقُلُهما الخادِم، وحُضورُه بَدراً

مُعجِزَةُ الماءِ يَنبعُ مِن بينِ أَصابعِ النَّبيّ ﷺ

عَن أَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أنَّه قال:

«رَأَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ وحانَت صَلاةُ العَصر، فالتَمَسَ النَّاسُ الوُضوءَ فلم يَجِدوه، فأُتيَ رَسولُ اللهِ ﷺ بوَضوءٍ، فوَضَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ في ذلكَ الإناءِ يَدَه، وأَمَرَ النَّاسَ أن يَتَوَضَّؤوا مِنه. قال: «فرَأَيتُ الماءَ يَنبعُ مِن تَحتِ أَصابعِه حتّى تَوَضَّؤوا مِن عندِ آخِرِهم»».

أخرجَه البُخاريُّ (١/٤٥)، ومُسلمٌ (٤/١٧٨٣)، والنَّسائيُّ (١/٦٠)، والتِّرمِذيُّ (٥/٥٩٦)

الفَرَسُ البَطيءُ يَتَحَوَّلُ إلى أَسرَعِ فَرَسٍ بَعدَ أن رَكِبَه ﷺ

عَن أَنَسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال:

«فَزِعَ أَهلُ المَدينةِ لَيلَة، فانطَلَقوا قَبلَ الصَّوت، فتَلَقّاهم رَسولُ اللهِ ﷺ وقَد سَبَقَهم إلى الصَّوت، وهو على فَرَسٍ لأَبي طَلحةَ عُريٍ (ضَعيفٍ بَطيء)، ما عَلَيه سَرج، في عُنُقِه السَّيف، وهو يقول: «يا أَيُّها النَّاس، لن تُراعوا»، يَرُدُّهم، ثمّ قالَ للفَرَس: «وَجَدناه بَحراً» (سَريعَ الجَريِ)، «فما سُبِقَ بَعدَ ذلكَ اليوم»».

أخرجَه البُخاريُّ (٤/٥٢)، وابنُ ماجَه (٢/٩٢٦)، وأحمد (٣/١٦٢)

سيّدُنا أَنَسٌ يَشهَدُ بَدراً صَبيّاً خادِماً

شَهِدَ بَدراً صَبيّاً خادِماً لحَضرَةِ النَّبيّ ﷺ، ولم يَحضُر مُقاتِلاً، ولذلكَ لم يَعُدَّه بَعضُ المُؤَرِّخينَ في البَدرِيّين.

عَن عبدِ اللهِ الأَنصاريّ، عَن مَولى لأَنَسِ بنِ مالكٍ قال: قُلتُ لأَنَسِ بنِ مالك: أَشَهِدتَ بَدراً؟ قال:

««لا أُمَّ لَك، وأَينَ أَغيبُ عَن بَدر؟»».

أخرجَه الحاكمُ (٣/٦٦٣)، وابنُ عبدِ البَرِّ في الاستيعاب (١/١١٠)

وقالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الأَنصاريّ: خَرَجَ أَنَسُ بنُ مالكٍ مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ حينَ توَجَّهَ إلى بَدر، وهو غُلامٌ يَخدُمُه.

سيّدُنا النَّبيُّ ﷺ يُعَلِّمُ الخادِمَ الصَّبيَّ الاستِئذان

لمّا أُنزِلَت آيَةُ الحِجاب:

﴿يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا لِيَستَأذِنكُم الَّذينَ مَلَكَت أَيمانُكم والَّذينَ لم يَبلُغوا الحُلُمَ مِنكُم ثَلاثَ مَرَّاتٍ

سورةُ النُّور — الآية ٥٨

رَضيَ اللهُ عَنكَ يا سَيِّدي يا أبا حَمزة،
يا بَرَكةَ دَعوةِ الحَبيب ﷺ

۞ المَصدَر ۞ كتابُ «خَدَمُ سَيِّدِنا النَّبيِّ ﷺ»

تأليف فَضيلة الشَّيخ خالد محمود البَقّار حفظه الله

الطَّبعة الأولى — مونتريال، كندا — ١٤٤١هـ / ٢٠٢٠م
ISBN : 978-9938-907-85-8

الصّفحات: ٧١ — ٨٠