۞ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم ۞
سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعود
رضي الله عنه
الإمامُ الحَبرُ العَلاّمة، فَقيهُ الأُمَّة، خادِمُ النَّعلِ النَّبَويّ ﷺ
هو الإمامُ الحَبرُ العَلاّمة، النَّظّارَةُ الفَهّامة، السَّبّاقُ بَحرُ العُلومِ المُقَدَّم، الأَديبُ النَّجيبُ اللَّبيبُ المُعَلَّم، خادِمُ النَّعلِ النَّبَوِيّ، الصَّحابِيُّ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ الهُذَليّ رضي الله عنه، سادِسُ سِتَّةٍ في الإسلام، وأحدُ العَشَرةِ المُبَشَّرينَ بالجَنَّة.
بِطاقةٌ تعريفيَّة
- الاسم الكامل عبدُ اللهِ بنُ مَسعودِ بنِ غافلٍ الهُذَليّ
- الكُنية أبو عبدِ الرَّحمن — كنّاه بها النَّبيُّ ﷺ قَبلَ أن يُولَدَ له
- القَبيلة هُذَيل — وأَبوهُ حالَفَ بَني زُهرَةَ في الجاهليّة
- أُمُّه السَّيِّدةُ أمُّ عبدٍ بنتُ عبدِ وُدِّ بنِ سُواءٍ الهُذَليّة رضي الله عنها
- مَولِدُه مَكّةُ المُكَرَّمة قَبلَ البِعثة
- مَنزلته في الإسلام سادِسُ سِتَّةٍ — أحَدُ السَّابقينَ الأوّلين، وأحَدُ العَشَرةِ المُبَشَّرينَ بالجَنَّة
- صِلَتُه بالنَّبيّ ﷺ خادِمُه ومَولاه، صاحبُ الوِسادةِ والسِّواكِ والنَّعلَينِ والمِطهَرة
- مُؤاخاتُه آخى النَّبيُّ ﷺ بينَه وبينَ سيّدِنا الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ رضي الله عنه
- هِجرَتاه هاجَرَ الهِجرَتَين: إلى الحَبَشة ثُمّ إلى المَدينة المُنَوَّرة، وصَلّى للقِبلَتَين
- عِلمُه ومَقامُه فَقيهُ الأمّة، المُفَسِّر، المُحَدِّث، مُعَلِّمُ الكوفة ووَزيرُها
- وَفاتُه بالمدينة المُنَوَّرة، سنة ٣٢هـ، عن عُمُرٍ يُناهِزُ ٦٣ عاماً — دُفِنَ بالبَقيع
١ نَسَبُه وإسلامُه رضي الله عنه
وُلِدَ سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه في مَكَّةَ المُكَرَّمة قَبلَ البِعثةِ الشَّريفة. وأُمُّه الصَّحابيَّةُ الجَليلة السَّيِّدةُ أُمُّ عبدٍ بنتُ عبدِ وُدِّ بنِ سُواءٍ مِن هُذَيلٍ، مِن بَني زُهرَة. وأَبوه مَسعودٌ قد حالَفَ في الجاهليّةِ عبدَ بنَ الحارِثِ بنَ زُهرة.
كُنيَتُه: أبو عبدِ الرَّحمن
عَن عَلقَمةَ، عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه:
«أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَنّاه أبا عبدِ الرَّحمنِ ولم يولَدْ له».
أخرجَه الحاكِمُ (٣/٣٥٣)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٦٥) — رِجالُه رِجالُ الصَّحيحإسلامُه: سادسُ سِتَّةٍ في الإسلام
مِن كَرَمِ اللهِ على سيّدِنا عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه هو هِدايَتُه للإسلامِ مَعَ الثُّلَّةِ المُبارَكةِ الأُولى، فكانَ أَحَدَ العَشَرةِ السَّابقينَ الأوَّلين، ولَيسَ فَوقَ هذا الفَضلِ فَضل، فكانَ واحِداً مِمَّن سَبَق، وواحِداً في مَن صَدَق.
عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال:
«لَقَد رَأَيتُني سادِسَ سِتَّةٍ ما على الأَرضِ مُسلِمٌ غَيرُنا».
أخرجَه الحاكِمُ (٣/٣٥٣)، وابنُ حِبّان (١٥/٥٣٧)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٦٥)، وابنُ أبي شَيبة (٧/٣٤٠)فائِدةٌ نَفيسة
وهذا الحَديثُ فيه بَيانٌ بأنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رضي الله عنه كانَ سُدسَ الإسلامِ في بِدايتِه.
٢ سَبَبُ إسلامِه: مُعجِزَةٌ مِن سيّدِنا النَّبيّ ﷺ
عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال:
«كُنتُ غُلاماً يافِعاً في غَنَمٍ لعُقبةَ بنِ أَبي مُعَيطٍ أَرعاها، فأَتى النَّبيُّ ﷺ وأبو بَكرٍ مَعَه، فقال: «يا غُلامُ، هَل مَعَكَ مِن لَبَن؟» فقُلتُ: نَعَم، ولَكِنّي مُؤتَمَن. فقالَ ﷺ: «ائتِني بشاةٍ لم يَنزُ عليها الفَحل». فأَتَيتُه بعَناقٍ أو جَذَعة، فاعتَقَلَها رَسولُ اللهِ ﷺ، ثمّ جَعَلَ يَمسَحُ الضَّرعَ ويَدعو، حتّى أَنزَلَت. فأَتاهُ أبو بَكرٍ بصَخرةٍ فاحتَلَبَ فيها، ثمّ قالَ لأبي بَكرٍ: «اشرَبْ». فشَرِبَ أبو بَكرٍ، ثمّ شَرِبَ النَّبيُّ ﷺ بَعدَه، ثمّ قالَ للضَّرع: «اقلِصْ» فقَلَصَ (انقَبَض)، فعادَ كما كان. ثمّ أَتَيتُ النَّبيَّ ﷺ بَعدَ ذلكَ فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، عَلِّمني مِن هذا الكَلامِ — أو مِن هذا القُرآن — فمَسَحَ رَأسي وقال: «إنَّكَ غُلامٌ مُعَلَّم». قالَ: فلَقَد أَخَذتُ مِن فيه سَبعينَ سورةً ما نازَعَني فيها بَشَر».
أخرجَه ابنُ حِبّان (١٤/٤٣٢)، وأبو يَعلى (٨/٤٢٠)، وأحمد (١/٣٧٩)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٧٩)، والطَّيالِسيُّ (١/٢٥٨)، وابنُ أبي شَيبة (١/٢٥٨) — والحَديثُ حَسَن٣ شَرَفُ أوَّلِ مَن جَهَرَ بالقُرآنِ الكَريم
نالَ سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه شَرَفَ أوَّلِ مَن جَهَرَ بالقُرآنِ بمَكّةَ بَعدَ رَسولِ الله ﷺ.
عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَير، عَن أبيه قال:
«كانَ أوَّلَ مَن جَهَرَ بالقُرآنِ بمَكّةَ بَعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه، اجتَمَعَ يوماً أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ فقالوا: واللهِ ما سَمِعَتْ قُرَيشٌ هذا القُرآنَ يُجهَرُ لها بِه قَطّ، فمَن رَجُلٌ يُسمِعُهم؟ فقالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعود: أنا. فقالوا: إنّا نَخشاهُم عَلَيك، إنَّما نُريدُ رَجُلاً له عَشيرةٌ تَمنَعُه مِن القَومِ إن أَرادوه. فقال: «دَعوني، فإنَّ اللهَ سَيَمنَعُني». فغَدا عبدُ اللهِ حتّى أَتى المَقامَ في الضُّحى، وقُرَيشٌ في أَندِيَتِها، حتّى قامَ عندَ المَقامِ، ثمّ قالَ رافِعاً صَوتَه: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ۞ الرَّحمنُ ۞ عَلَّمَ القُرآنَ» فاستَقبَلَها بها فقَرَأ. فتَأَمَّلوا، فجَعَلوا يقولون: ما يقولُ ابنُ أُمِّ عَبد؟ ثمّ قالوا: إنَّه لَيَتلو بَعضَ ما جاءَ به مُحَمَّد، فقاموا فجَعَلوا يَضرِبونَ في وَجهِه، وجَعَلَ يَقرأُ حتّى بَلَغَ مِنها ما شاءَ اللهُ أن يَبلُغ، ثمّ انصَرَفَ إلى أَصحابِه وقَد أَثَّروا بوَجهِه، فقالوا: هذا الذي خَشينا عَلَيك. فقال: «ما كانَ أَعداءُ اللهِ قَطّ أَهوَنَ عليَّ مِنهُم الآن، ولَئِن شِئتُم غادَيتُهم بمِثلِها غَداً». قالوا: حَسبُكَ، قد أَسمَعتَهم ما يَكرَهون».
أخرجَه ابنُ إسحاقَ (١/٦٨١)٤ شَرَفُ خِدمَتِه لسيّدِ الخَلقِ ﷺ
نالَ سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه شَرَفَ خِدمَةِ سَيِّدِ الخَلقِ ﷺ، فأَعطاهُ النَّبيُّ ﷺ النِّظامَ والتَّعليماتِ والآدابَ اللاّزِمةَ لهذه الرُّتبةِ الشَّريفة.
عَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَزيدَ قال: سَمِعتُ ابنَ مَسعودٍ يقول: قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ:
««إذنُكَ عليَّ أن يُرفَعَ الحِجاب، وأن تَستَمِعَ سَوادي، حتّى أَنهاك»».
أخرجَه مُسلمٌ (٤/١٧٠٨)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٥٤)، وابنُ ماجَه (١/٩٤)أي: إذنُ دُخولِكَ عليَّ الدّارَ حينَ يُرفَعُ الحِجابُ بفَتحِ البابِ أو السُّترة، فتَستَطيعُ الدُّخول، وأن تَستَمِعَ سَوادي، أي: كَلامي وحَديثي وقِراءَتي، حتّى أَنهاك، أي: إلاّ إذا نَهَيتُكَ عَن الدُّخول.
كانَ النّاسُ يَظُنّونَه مِن أَهلِ بيتِ النَّبيّ ﷺ
عَن أبي موسى الأشعَريّ رضي الله عنه قال:
«قَدِمتُ أنا وأخي مِن اليَمن، فمَكَثنا حيناً ما نُرى إلاّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ رَجُلٌ مِن أَهلِ بَيتِ النَّبيّ ﷺ، لِما نَرى مِن دُخولِه ودُخولِ أُمِّه على النَّبيّ ﷺ».
أخرجَه البُخاريُّ (٥/٢٨)، ومُسلمٌ (٤/١٩١١)، والتِّرمِذيُّ (٥/٦٧٢)وَقفةٌ في كَمالِ إنسانيَّتِه ﷺ
هذا مِن كَمالِ إنسانيّةِ سيّدِنا النَّبيِّ ﷺ، وكَذلكَ مِن حُسنِ مُعامَلَتِه النَّبَويّةِ مَعَ الخَدَم، فلا طَبَقيّةَ ولا استِعلاء، بحَيثُ لا يَلمَحُ الغَريبُ شَيئاً مِن الفَوارقِ الاجتماعيّة، فيَظُنُّ الخادِمَ واحِداً مِن أَهلِ البَيت.
اختصاصُه بخِدمَتِه: صاحبُ الوِسادةِ والسِّواكِ والنَّعلَين
عَن القاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمن قال:
«كانَ عبدُ اللهِ يُلبِسُ رَسولَ اللهِ ﷺ نَعلَيه، ثمّ يَمشي أَمامَه بالعَصا، حتّى إذا أَتى مَجلِسَه نَزَعَ نَعلَيه فأَدخَلَهُما في ذِراعَيه وأَعطاه العَصا، فإذا أَرادَ رَسولُ اللهِ ﷺ أن يَقومَ أَلبَسَه نَعلَيه، ثمّ مَشى بالعَصا أَمامَه حتّى يَدخُلَ الحُجرةَ قَبلَ رَسولِ الله ﷺ».
أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٣/١٥٣)، وابنُ عَساكِر في تاريخِ دِمَشق (٣٣/٩٨)۞ قالَ فَضيلةُ الشَّيخِ حَفِظَه الله ۞
قالَ الحافِظُ ابنُ عبدِ البَرِّ
«وكانَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه يَلِجُ عَلَيه ﷺ، ويُلبِسُه نَعلَيه، ويَمشي أَمامَه، ويَستُرُه إذا اغتَسَلَ، ويوقِظُه إذا نامَ».
الاستيعابُ في مَعرِفةِ الأَصحاب (٣/٩٨٩)مُؤاخاةُ النَّبيّ ﷺ بينَه وبينَ الزُّبَيرِ بنِ العَوّام
آخى النَّبيُّ ﷺ بينَ خادِمِه وبينَ ابنِ عَمَّتِه السَّيِّدِ الشَّريفِ أَحَدِ أَبناءِ بُيوتِ ساداتِ قُرَيشٍ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ رضي الله عنه.
عَن ابنِ عَبّاسٍ رضي الله عنهما قال:
«آخى رَسولُ اللهِ ﷺ بينَ الزُّبَيرِ بنِ العَوّامِ وعبدِ اللهِ بنِ مَسعود».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٥٥٣) — صَحيحُ الإسناد — والطَّبَرانيُّ في الكَبير (١٢/١٧٩)٥ مَناقِبُه العُظمى رضي الله عنه
شَهِدَ المَشاهِدَ كُلَّها مَع سيّدِنا النَّبيّ ﷺ، وخُصوصاً بَدراً والحُدَيبِيَة، وهاجَرَ الهِجرَتَينِ جَميعاً: الأولى إلى الحَبَشة، والثّانيةَ مِن مَكّةَ إلى المَدينة، وصَلّى للقِبلَتَين، وله مِن الفَضائلِ ما يَصعُبُ حَصرُه.
اللهُ تعالى يُزَكّيه
عَن سَعدِ بنِ أَبي وَقّاصٍ رضي الله عنه قال:
«كُنّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ ونَحنُ سِتَّةُ نَفَر، فقالَ المُشرِكون: «اطرُدْ هؤلاءِ عَنكَ، فإنَّهم... وإنَّهم...». قالَ: وكُنتُ أنا وابنُ مَسعودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ نَسيتُ أَسماءَهُما. قالَ: «فوَقَعَ في نَفسِه ما شاءَ اللهُ، وحَدَّثَ به نَفسَه». فأَنزَلَ اللهُ:
﴿وَلا تَطرُدِ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بالغَداةِ والعَشِيِّ يُريدونَ وَجهَه﴾
سورةُ الأَنعام — الآية ٥٢
أخرجَه مُسلمٌ (٤/١٨٧٨)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٤٤)، وابنُ حِبّان (١٤/٥٣٥)، وابنُ ماجَه (٢/١٣٨٣)
الخادِمُ أحَدُ العَشَرةِ المُبَشَّرينَ بالجَنَّة
عَن سَعيدِ بنِ زَيدٍ رضي الله عنه قال:
«كُنّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ على حِراء، فذَكَرَ عَشَرةً في الجَنَّة: «أبو بَكرٍ، وعُمَرُ، وعُثمانُ، وعليّ، وطَلحةُ، والزُّبَير، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوف، وسَعدُ بنُ مالِك، وسَعيدُ بنُ زَيد، وعبدُ اللهِ بنُ مَسعود»».
أخرجَه ابنُ عَساكِر في تاريخِ دِمَشق (٣٣/٩٣) — والحَديثُ حَسَنالخادِمُ رَفيقُ النَّبيّ ﷺ في الجَنَّة
عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه:
«أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَتاه بينَ أَبي بَكرٍ وعُمَرَ وعبدُ اللهِ يُصَلّي، فافتَتَحَ النِّساءَ فسَحَلَها (قَرَأَها كُلَّها قِراءةً مُتَتابِعَةً مُتَّصِلة)، فجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ يقولُ: «مَن أَحَبَّ أن يَقرَأَ القُرآنَ غَضّاً كما أُنزِلَ، فَليَقرأه على قِراءةِ ابنِ أُمِّ عَبد». ثمّ تَقَدَّمَ يَسأَلُ، فجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ يقول: «سَل تُعطَه، سَل تُعطَه، سَل تُعطَه». فقالَ فيما سَأَلَ: اللَّهُمَّ إنّي أَسأَلُكَ إيماناً لا يَرتَدّ، ونَعيماً لا يَنفَدُ، ومُرافَقةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ في أَعلى جَنَّةِ الخُلد. قالَ: فأَتى عُمَرُ رضي الله عنه عبدَ اللهِ لِيُبَشِّرَه، فوَجَدَ أبا بَكرٍ رضي الله عنه قَد سَبَقَه، فقال: «إن فَعَلتَ، لَقَد كُنتَ سَبّاقاً بالخَير»».
أخرجَه الحاكمُ (١/٧٠٧)، وأحمد (١/٤٤٥)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٨٦)، وابنُ أبي شَيبة (١/٢٦٥) — والحَديثُ صَحيح«أنتَ مِنهم يا ابنَ مَسعود»
عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: لمّا نَزَلَتْ هذه الآيَة:
﴿يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِه فسَوفَ يَأتي اللهُ بقَومٍ يُحِبُّهُم ويُحِبّونَه﴾ إلى آخِرِ الآية [المائدة: ٥٤]، قالَ لي رَسولُ اللهِ ﷺ: «قيلَ لي: أنتَ مِنهُم».
أخرجَه مُسلمٌ (٤/١٩١٠)، والحاكمُ (٤/١٦٠)، والتِّرمِذيُّ (٥/٢٥٥)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (١٠/٨٦)٦ أَثقَلُ في المِيزانِ مِن جَبَلِ أُحُد
عَن سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه قال:
«أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ ابنَ مَسعودٍ فصَعِدَ شَجَرة، فأَمَرَه أن يَأتِيَه مِنها بشَيء، فنَظَرَ أَصحابُه إلى ساقِ عبدِ اللهِ حينَ صَعِدَ فضَحِكوا مِن حَموشةِ (دِقَّةِ) ساقَيه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «ما تَضحَكون؟ لَرِجلُ عبدِ اللهِ أَثقَلُ في المِيزانِ يومَ القِيامةِ مِن جَبَلِ أُحُد»».
أخرجَه البُخاريُّ في الأَدَبِ المُفرَد (١/٩٢)، وأبو يَعلى (١/٤٠٩)، وأحمد (١/١١٤)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٥٩) — حَسَنٌ صَحيحولَقَد كانَ سيّدُنا ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه أَسمَرَ اللَّون، لَطيفَ الجِسم، ضَعيفَ اللَّحم.
الخادِمُ أَهلٌ للخِلافة
عَن سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه قال:
قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لو كُنتُ مُؤَمِّراً أَحَداً دونَ شورى المُسلِمينَ لَأَمَّرتُ ابنَ أُمِّ عَبد». وفي رِوايةٍ: «لَو استَخلَفتُ أَحَداً عَن غَيرِ مَشورةٍ لاستَخلَفتُ ابنَ أُمِّ عَبد».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٣٥٩)، والتِّرمِذيُّ (٥/٦٧٣)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٥٦)، وابنُ ماجَه (١/٤٩)، وأحمد (١/٧٦)النَّبيُّ ﷺ يُحِبّ أن يَسمَعَ القُرآنَ مِن فَمِ خادِمِه
وسَبَبُ ذلكَ كَمالُ إتقانِه، وجَمالُ صَوتِه وأَنغامِه، وجَلالُ حُضورِه وخُشوعِه.
قالَ له النَّبيُّ ﷺ: «اقرَأ عليَّ». قال: أَقرأُ عليك، وعليكَ أُنزِل؟ قال ﷺ: «إنّي أُحِبُّ أن أَسمَعَه مِن غَيري». فقَرَأَ عليه مِن أوَّلِ سورةِ النِّساءِ إلى قَولِه تعالى:
﴿فَكَيفَ إذا جِئنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بشَهيدٍ وجِئنا بكَ على هؤلاءِ شَهيداً﴾
سورةُ النِّساء — الآية ٤١
قالَ ﷺ: «أَمسِك». فإذا عَيناه ﷺ تَذرِفان.
أخرجَه البُخاريُّ (٦/١٩٧)، ومُسلمٌ (١/٥٥١)، وأبو داودَ (٣/٣٢٤)، والتِّرمِذيُّ (٥/٢٣٨)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٨٣)
٧ حُبُّ النَّبيّ ﷺ لخادِمِه رضي الله عنه
مِن أَشبَهِ النّاسِ هَدياً وسَمتاً بالنَّبيّ ﷺ
عَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَزيدَ قال:
«سَأَلنا حُذَيفةَ عَن رَجُلٍ قَريبِ السَّمتِ والهَديِ مِن النَّبيّ ﷺ حتّى نَأخُذَ عَنه (العِلمَ)، فقال: «ما أَعرِفُ أَحَداً أَقرَبَ سَمتاً وهَدياً ودَلاًّ بالنَّبيّ ﷺ مِن ابنِ أُمِّ عَبد»».
أخرجَه البُخاريُّ (٥/٢٨)، والتِّرمِذيُّ (٥/٦٧٣)، وابنُ حِبّان (١٥/٥٣٨)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٥٥)، وأحمدشَهادَةُ عَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه
عَن الحَسَنِ قال: قالَ رَجُلٌ لعَمرِو بنِ العاصِ رضي الله عنه:
«أَرأَيتَ رَجُلاً ماتَ رَسولُ اللهِ ﷺ وهو يُحِبُّه، أَليسَ رَجُلاً صالِحاً؟ قال: بَلى. قال: قد ماتَ رَسولُ اللهِ ﷺ وهو يُحِبُّكَ وقد استَعمَلَكَ. قال: قد استَعمَلَني، فوَاللهِ ما أَدري حُبّاً كانَ لي مِنه، أو استِعانةً بي؟ ولكِن سأُحَدِّثُكَ برَجُلَينِ ماتَ رَسولُ اللهِ ﷺ وهو يُحِبُّهُما: «عبدُ اللهِ بنُ مَسعود، وعَمّارُ بنُ ياسر»».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٤٤٢)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٧/٣٥٨)، وأحمد (٤/٢٠٣)جَزَعُ عَمرِو بنِ العاصِ عندَ المَوت
وعَن أَبي نَوفَلِ بنِ أبي عَقرَبٍ قال: جَزِعَ عَمرُو بنُ العاصِ عندَ المَوتِ جَزَعاً شَديداً، فلمّا رأى ذلكَ ابنُه عبدُ اللهِ قال: يا أبا عبدِ اللهِ، ما هذا الجَزَع؟ وقد كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُدنيكَ ويَستَعمِلُك؟ قال: أَي بُنَيّ، قد كانَ ذلك، وسأُخبِرُكَ عَن ذلك، إني ما أَدري أَحُبّاً كانَ ذلك، أم تَأَلُّفاً يَتَأَلَّفُني؟ ولكِن أَشهَدُ على رَجُلَينِ أنَّه فارَقَ الدُّنيا وهو يُحِبُّهُما: «ابنَ سُمَيَّة (عَمّار)، وابنَ أُمِّ عَبد». أخرجَه الطَّيالِسيُّ (٢/٣١٨)، وأحمد (٤/١٩٩) — وإسنادُه صَحيح.
تَواضُعُه رضي الله عنه
ومَعَ ذلكَ كانَ رضي الله عنه كَثيرَ التَّواضُع، فكانَ يقول: «لَو تَعلَمونَ ذُنوبي ما وَطِئَ عَقِبي رَجُلانِ، ولحَثَيتُم على رَأسي التُّراب، ولَوَدَدتُ أنَّ اللهَ غَفَرَ لي ذَنباً مِن ذُنوبي، وإني دُعيتُ عبدَ اللهِ بنَ رَوثَة».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٣٦٠) — والحَديثُ صَحيحوَرَعُه في نَقلِ الحَديث
عَن عَمرِو بنِ مَيمونٍ قال:
«كانَ عبدُ اللهِ لا تَأتي عليه السَّنَةُ يُحَدِّثُ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ، فحَدَّثَ ذاتَ يومٍ عَن رَسولِ اللهِ ﷺ بحَديثٍ فعَلَتْه كَآبة، وجَعَلَ العَرَقُ يَتَحادَرُ على جَبهَتِه، ويقول: «نَحوَ هذا، أو قَريباً مِن هذا»».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٥٥٣) — صَحيحٌ على شَرطِ الشَّيخَين٨ الفَقيهُ العالِمُ الحَبرُ رضي الله عنه
لَقَد رَبّى سيّدُنا النَّبيُّ ﷺ خادِمَه على أن يَكونَ وارِثَه في تَبليغِ الدَّعوةِ وبُلوغِ المَكانةِ المَرموقةِ بينَ كِبارِ الصَّحابة، فكانَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه أحَدَ أَبرَزِ المُفَسِّرينَ والفُقَهاءِ والمُفتينَ في عَصرِه.
عَن عبدِ اللهِ رضي الله عنه قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ:
«رَضيتُ لأُمَّتي ما رَضِيَ لها ابنُ أُمِّ عَبد، وكَرِهتُ لأُمَّتي ما كَرِهَ لها ابنُ أُمِّ عَبد».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٣١٧)، والبَزّار (٥/٤٥٣)، والبَيهقيُّ (١/١٣٨) — والحَديثُ حَسَنعِلمُه بالقُرآنِ الكَريم
عَن مَسروقٍ قال: قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه:
«وَاللهِ الَّذي لا إلهَ غَيرُه، ما أُنزِلَت سورةٌ مِن كِتابِ اللهِ إلاّ أنا أَعلَمُ أَينَ أُنزِلَت، ولا أُنزِلَت آيَةٌ مِن كِتابِ اللهِ إلاّ أنا أَعلَمُ فيمَ أُنزِلَت، ولَو أَعلَمُ أَحَداً أَعلَمَ مِنّي بكِتابِ اللهِ تَبلُغُه الإبِلُ لَرَكِبتُ إليه».
أخرجَه البُخاريُّ (٦/١٨٧)، ومُسلمٌ (٧/١٤٨)شَهادَةُ سيّدِنا عُمَرَ رضي الله عنه: «كُنَيفٌ مُلِئَ فِقهاً»
عَن زَيدِ بنِ وَهبٍ قال:
«إنّا لَجُلوسٌ عندَ عُمَرَ إذ جاءَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعود، يَكادُ الجُلوسُ يوازِنُه مِن قِصَرِه، فضَحِكَ عُمَرُ حينَ رَآه، قال: فجَعَلَ يُكَلِّمُ عُمَرَ ويُضاحِكُه وهو قائمٌ عَلَيه، ثمّ وَلّى، فأَتبَعَه عُمَرُ بَصَرَه حتّى تَوارى، فقال: «كُنَيفٌ مُلِئَ فِقهاً»».
أخرجَه الطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٨٥)، وابنُ أبي شَيبة (٦/٣٨٤) — والحَديثُ صَحيحشَهادَةُ سيّدِنا أَبي موسى الأشعَريّ رضي الله عنه
وعَن أَبي مَسعودٍ عُقبةَ بنِ عَمرٍو رضي الله عنه قال:
«ما أُرى رَجُلاً أَعلَمَ بما أَنزَلَ اللهُ على نَبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ مِن عبدِ اللهِ بنِ مَسعود». فقالَ أبو موسى: «إن تَقُل ذلك، فإنَّه كانَ يَسمَعُ حينَ لا نَسمَع، ويَدخُلُ حينَ لا نَدخُل».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٣٦٠)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٩٠)شَهادةُ سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه
وعَن أبي البُختَريّ قال:
«أَتَينا عليّاً رضي الله عنه، فسَأَلناه عَن أَصحابِ النَّبيّ مُحَمَّدٍ ﷺ. فقالَ: عَن أَيِّهِم؟ قُلنا: حَدِّثنا عَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعود. قال: «عَلِمَ القُرآنَ والسُّنَّةَ، ثمّ انتَهى، وكَفى بذلكَ عِلماً»».
أخرجَه ابنُ أبي شَيبة (٦/٣٨٥)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (١/١٢٩)، وابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٢/٣٤٦) — حَسَن٩ مُعَلِّمُ الكوفةِ وفَقيهُها
وبَعدَ انتِقالِ سيّدِنا النَّبيّ ﷺ إلى الرَّفيقِ الأَعلى، خَرَجَ خادِمُ الحَبيبِ مَعَ جُيوشِ المُسلِمينَ إلى الشَّام، حتّى عَيَّنَه أَميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ رضي الله عنه مُساعِداً لسيّدِنا عَمّارِ بنِ ياسِرٍ أَميرِ الكوفة، فأَقامَ مُعَلِّماً فَقيهاً مُرشِداً.
عَن حارِثةَ بنِ مُضَرِّبٍ قال:
«قُرِئَ عَلَينا كِتابُ (رِسالة) عُمَرَ رضي الله عنه إلى أَهلِ الكوفة: «السَّلامُ عَلَيكم، أمّا بَعد، فإنّي قَد بَعَثتُ إلَيكم عَمّاراً أَميراً، وعبدَ اللهِ بنَ مَسعودٍ مُعَلِّماً ووَزيراً، وإنَّهُما مِن نُجَباءِ أَصحابِ النَّبيّ ﷺ، ومِمَّن شَهِدَ بَدراً، فاسمَعوا لَهُما وأَطيعوا، وقد آثَرتُكم بهما على نَفسي»».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٤٣٨)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٩/٨٦)، وأحمد في فَضائلِ الصَّحابة (٢/٨٤١) — وإسنادُه صَحيحوبَقيَ سيّدُنا ابنُ مَسعودٍ في الكوفةِ ساقياً أَهلَها العِلمَ والفِقهَ والأَدَبَ مُدَّةَ الخِلافةِ العُمَرِيّةِ ونَيِّفاً مِن خِلافةِ عُثمانَ رضي الله عنه، حتّى عَزَلَه عُثمانُ وأَمَرَه بالعَودةِ إلى المَدينةِ المُنَوَّرة.
دُعاءُ سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه لَمّا دَخَلَ الكوفة
وصَدَقَ سيّدُنا عليٌّ رضي الله عنه حينَ دَخَلَ الكوفةَ فقال: «رَحِمَ اللهُ ابنَ أُمِّ عَبد، قد مَلأَ هذه القَريَةَ عِلماً». فمِن وَقتِ بِناءِ الكوفةِ إلى أَواخِرِ خِلافةِ عُثمانَ لا عِنايةَ مَزيدَ عَلَيها، امتَلأَتِ الكوفةُ بالقُرّاءِ والفُقَهاءِ والمُحَدِّثين، بحَيثُ أَبلَغَ بَعضُ ثِقاتِ أَهلِ العِلمِ عَدَداً مِن أَصحابِه — وعلى أَصحابِه تَفَقَّه — نَحوَ أَربَعةِ آلافِ عالِم.
شَهادَةُ سيّدِنا أَبي موسى الأشعَريّ في ابنِ مَسعود
عَن هُزَيلِ بنِ شُرَحبيلَ قال: قالَ أبو موسى أَمامَ ابنِ مَسعودٍ لأَهلِ الكوفة:
«لا تَسأَلوني عَن شَيءٍ ما دامَ هذا الحَبرُ (العالِم) بينَ أَظهُرِكم».
أخرجَه البُخاريُّ (٨/١٥١)، والنَّسائيُّ في الكُبرى (٦/١٠٧)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (١٠/٣٦)، وأحمد (١/٣٩٨)مَوقفٌ لَطيفٌ مَعَ سيّدِنا عُمَرَ رضي الله عنه
عَن الشَّعبيّ قال:
«لَقيَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رضي الله عنه رَكباً في سَفَرٍ له لَيلاً، فيهم عبدُ اللهِ بنُ مَسعود، فأَمَرَ عُمَرُ رَجُلاً يُناديهم: مِن أَينَ القَوم؟ فأَجابَه عبدُ الله: أَقبَلنا مِن الفَجِّ العَميق. فقال: أَينَ تُريدون؟ فقالَ عبدُ الله: البَيتَ العَتيق. فقالَ عُمَر: إنَّ فيهم لَعالِماً. فأَمَرَ رَجُلاً يُناديهم: أيُّ القُرآنِ أَعظَم؟ فأَجابَه عبدُ الله: «اللهُ لا إلهَ إلاّ هو الحَيُّ القَيّوم» حتّى خَتَمَ الآية. قال: نادِهِم: أيُّ القُرآنِ أَحكَم؟ فقالَ ابنُ مَسعود: «إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى» [النحل: ٩٠]. فقالَ عُمَر: نادِهِم: أيُّ القُرآنِ أَجمَع؟ فقالَ ابنُ مَسعود: «فمَن يَعمَلْ مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَره» [الزلزلة: ٧]. فقالَ عُمَر: نادِهِم: أيُّ القُرآنِ أَحزَن؟ فقالَ ابنُ مَسعود: «مَن يَعمَل سوءاً يُجزَ بِه» [النساء: ١٢٣]. فقالَ عُمَر: نادِهِم: أيُّ القُرآنِ أَرجى؟ فقالَ ابنُ مَسعود: «يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسرَفوا على أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمةِ الله» [الزمر: ٥٣]. فقالَ عُمَر: نادِهِم: أَفيكم عبدُ اللهِ بنُ مَسعود؟ فقالوا: اللَّهُمَّ نَعَم».
أخرجَه أبو طاهِرٍ في الطُّيوريّات (١/٢٤٧)، وابنُ الجَوزيّ في صِفةِ الصَّفوة (١/٤٠٠)أَدَبُ الخادِمِ المُعَلِّمِ في تَعليمِ العِلم
عَن إبراهيمَ النَّخَعيّ، عَن عَلقَمةَ قال:
«كُنّا جُلوساً مَعَ ابنِ مَسعود، فجاءَ خَبّابُ بنُ الأَرَتّ، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمن، أَيَستَطيعُ هؤلاءِ الشَّبابُ أن يَقرَؤوا كما تَقرأ؟ قال: أَما إنَّكَ لَو شِئتَ أَمَرتُ بَعضَهم يَقرَأُ عَليك. قال: أَجَل. قال: اقرَأ يا عَلقَمة. فقالَ زَيدُ بنُ حُدَير: أَتأمُرُ عَلقَمةَ أن يَقرَأ ولَيسَ بأَقرَئنا؟ قال: أَما إنَّكَ إن شِئتَ أَخبَرتُكَ بما قالَ النَّبيُّ ﷺ في قَومِكَ وقَومي (لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أَثنى على قَبيلةِ نَخَع، وذَمَّ بَني أَسَد). فقالَ عَلقَمة: فقَرَأتُ خَمسينَ آيَةً مِن سورةِ مَريم. فقالَ عبدُ الله (لخَبّاب): كَيفَ تَرى؟ قال: قَد أَحسَن. قالَ عبدُ الله: «ما أَقرأُ شَيئاً إلاّ وهو (عَلقَمة) يَقرَؤُه». ثمّ التَفَتَ إلى خَبّابٍ وعليه خاتَمٌ مِن ذَهَبٍ، فقال: «أَلَم يَأنِ لهذا الخاتَمِ أن يُلقى؟». قالَ خَبّاب: أَما إنَّكَ لَن تَراه عَليَّ بَعدَ اليوم. فأَلقاه».
أخرجَه البُخاريُّ (٥/١٧٤)، وأحمد (١/٤٢٤)، والشّاشيُّ في مُسنَدِه (١/٣٦٠)١٠ وَفاتُه رضي الله عنه
وهكَذا عاشَ سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه حَياةً زاخِرةً بالفَضائلِ والأَعمالِ الصّالِحة. فبَعدَ أن شَهِدَ المَشاهِدَ كُلَّها مَع سيّدِنا رَسولِ الله ﷺ خادِماً ومُعاوِناً ومُجاهِداً في سَبيلِ الله، حتّى كانَ أَحَدَ الَّذينَ أَحاطوا به يومَ أُحُدٍ وحُنَين، فكانَ مَضرِبَ المَثَلِ في الثَّبات.
خادِمُ نَعلِ النَّبيّ ﷺ يَدوسُ بنَعلِه على الفِتنة
عَن زَيدِ بنِ وَهبٍ قال:
«لمّا بَعَثَ عُثمانُ إلى ابنِ مَسعودٍ يَأمُرُه بالمَجيءِ إلى المَدينة، اجتَمَعَ إليه النّاسُ فقالوا: «أَقِم، فلا تَخرُج، ونَحنُ نَمنَعُكَ أن يَصِلَ إليكَ شَيءٌ تَكرَهُه». فقال: «إنَّ له عليَّ طاعة، وإنَّها سَتَكونُ أُمورٌ وفِتَن، لا أُحِبُّ أن أَكونَ أوَّلَ مَن فَتَحَها». فرَدَّ النّاسَ وخَرَجَ إليه».
أخرجَه الذَّهبيُّ في سِيَرِ أَعلامِ النُّبَلاء (١/٤٨٩) — وإسنادُه صَحيحوبَقيَ في المَدينةِ قامِعاً للفِتنةِ الَّتي تُطِلُّ برَأسِها، حتّى أَتاه الحَقُّ الَّذي كانَ يَتَشَوَّقُ إليه.
مِن آخِرِ ما تَكَلَّمَ بِه رضي الله عنه
عَن أَبي فاطِمةَ: أنَّ عُثمانَ بنَ عَفّانَ رضي الله عنه عادَ ابنَ مَسعودٍ في مَرَضِه، فقال:
«ما تَشتَكي؟ قال: ذُنوبي. قال: فما تَشتَهي؟ قال: «رَحمةَ رَبّي». قال: أَلا نَدعو لكَ الطَّبيب؟ قال: «الطَّبيبُ أَمرَضَني». قال: أَلا آمُرُ لكَ بعَطائِك؟ قال: مَنَعتَنيه ما قَبلَ اليوم، فلا حاجةَ لي فيه. قال: تَدَعُه لأَهلِكَ وعِيالِك. قال: إنّي قد عَلَّمتُهم شَيئاً إذا قالوه لم يَفتَقِروا، سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقول: «مَن قَرَأَ الواقِعةَ كُلَّ لَيلةٍ لم يَفتَقِر»».
أخرجَه البَيهقيُّ في شُعَبِ الإيمان (٤/١١٨)وعَن قَيسِ بنِ أَبي حازِمٍ قال:
«دَخَلَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ رضي الله عنه على عبدِ اللهِ يَعودُه، فقالَ عُثمان: كَيفَ تَجِدُك؟ فقال: «مَردودٌ إلى مَولايَ الحَقّ»».
أخرجَه أبو نُعَيمٍ في مَعرِفةِ الصَّحابة (٤/١٧٧٣)وعَن سيّدِنا أَنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال:
«دَخَلنا على عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه نَعودُه في مَرَضِه، فقُلنا: كَيفَ أَصبَحتَ يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: «أَصبَحتُ بنِعَمِ اللهِ خائِناً». فقُلنا: كَيفَ تَجِدُكَ يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: «أَجِدُ قَلبي مُطمَئِنّاً بالإيمان». وقُلنا: ما تَشتَكي يا أبا عبدِ الرَّحمن؟ قال: «أَشتَكي ذُنوبي وخَطاياي». قُلنا: ما تَشتَهي؟ قال: «أَشتَهي مَغفِرةَ اللهِ ورِضوانَه». قُلنا: أَلا نَدعو لكَ طَبيباً؟ قال: «الطَّبيبونَ يُطَبِّبون؟»».
أخرجَه ابنُ أبي الدُّنيا في المُحتَضَرين (١/٢٣٨)، وأبو القاسمِ الأَصبَهانيّ في سِيَرِ السَّلَف (١/٤٧٦)جَزَعُه رضي الله عنه في مَرَضِه
وعَن عَلقَمةَ قال: «مَرِضَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ مَرَضاً فجَزِعَ فيه، فقُلنا له: ما رَأَيناكَ جَزِعتَ في مَرَضٍ ما جَزِعتَ في مَرَضِكَ هذا. فقال: «إنَّه أَخَذَني وأَقرَبُ بي مِن الغَفلة»».
أَوصى سيّدُنا ابنُ مَسعودٍ قَبلَ مَوتِه إلى أَخيه الزُّبَيرِ [بنِ العَوّامِ رضي الله عنه] أن يُصَلّيَ عَلَيه، وماتَ بَعدَ ذلكَ في المَدينةِ المُنَوَّرة، ودُفِنَ بالبَقيعِ سنةَ اثنَتَينِ وثَلاثين، عَن عُمُرٍ يُناهِزُ ثَلاثاً وسِتّينَ عاماً.
رَضيَ اللهُ عَنكَ يا سَيِّدي يا ابنَ مَسعود،
في السّابِقينَ المُخلَصين