۞ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم ۞
سيّدُنا أبو ذَرٍّ الغِفاريّ
رضي الله عنه
الزَّاهدُ العابدُ السَّابق، المُفتي الصَّادعُ بالحَقّ، شَبيهُ عيسى ابنِ مَريَمَ عليه السَّلام
هو الزَّاهدُ العابدُ السَّابق، العالِمُ المُفتي، النَّاقدُ الصَّادق، رافِضُ الأزلامِ والأَصنام، القائمُ المُنفِقُ المُجاهدُ الصَّوّام، أوَّلُ مَن أَلقى على النَّبيّ ﷺ السَّلام، الفَطِنُ الأَلمَعيُّ الزَّكيُّ الذَّكيّ، خادِمُ سيّدِنا النَّبيّ ﷺ، الصَّحابيُّ الجَليل جُندُبُ بنُ جُنادةَ الغِفاريّ رضي الله عنه — رُبُعُ الإسلام.
بِطاقةٌ تعريفيَّة
- الاسم الكامل جُندُبُ بنُ جُنادةَ الغِفاريّ رضي الله عنه
- الكُنية أبو ذَرّ
- القَبيلة غِفار — أَحَدُ بُطونِ بَني بَكرِ بنِ عبدِ مَناةَ بنِ كِنانَة
- مَضاربُ قَومِه على طَريقِ القَوافلِ بينَ اليَمَنِ والشَّام
- صِفَتُه أَسمَرُ اللَّون، ضَخماً، جَسيماً
- مَنزلته في الإسلام رُبُعُ الإسلام — لم يُسلِم قَبلَه إلاّ النَّبيُّ ﷺ وسيّدُنا أبو بَكرٍ وبِلال
- صِلتُه بالنَّبيّ ﷺ خادِمُه ومَولاه، شَبيهُ عيسى ابنِ مَريَمَ عليه السَّلام في زُهدِه وخُلُقِه
- شَهادَةُ النَّبيّ ﷺ فيه «ما أَقَلَّتِ الغَبراءُ ولا أَظَلَّتِ الخَضراءُ مِن رَجُلٍ أَصدَقَ لَهجةً مِن أَبي ذَرّ»
- مَقامُه العالِمُ المُفتي، الزَّاهدُ الصَّادعُ بالحَقّ، رافِضُ العُبوديّةِ للأَشخاصِ والأَذناب
- وَفاتُه بالرَّبَذَة، سنة ٣١هـ — صَلّى عَلَيه سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه
١ نَسَبُه وصِفَتُه وقَبيلَتُه
نَشَأَ سيّدُنا أبو ذَرٍّ الغِفاريّ رضي الله عنه في مَضارِبِ قَبيلَتِه غِفار — أَحَدِ بُطونِ بَني بَكرِ بنِ عبدِ مَناةَ بنِ كِنانَة — والَّتي كانَت مَضارِبُها على طَريقِ القَوافلِ بينَ اليَمَنِ والشَّام، واشتَهَرَت بالسَّطوِ على القَوافل.
وكانَ رضي الله عنه أَسمَرَ اللَّون، ضَخماً، جَسيماً.
٢ إسلامُه: رُبُعُ الإسلام
مِن كَرَمِ اللهِ تعالى على سيّدِنا أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه هو أنَّ هَداه لِتَركِ الأَصنامِ والبَحثِ عَن الحَقيقة، حتّى هَداهُ للإسلامِ مَعَ الثُّلَّةِ المُبارَكةِ الأولى.
عَن جُبَيرِ بنِ نُفَيرٍ قال: كانَ أبو ذَرٍّ يقول:
«لَقَد رَأَيتُني رُبُعَ الإسلام، لم يُسلِم قَبلي إلاّ النَّبيُّ ﷺ وأبو بَكرٍ وبِلال».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٣٤٢)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢/١٤٨) — والحَديثُ حَسَنفائدةٌ نَفيسة
لأنَّ جَنابَ النَّبيّ ﷺ لم يَطَّلِعْه آنَذاكَ إلاّ عَلَيهما حِفظاً للسِّرِّيَّة؛ إذ مِن المَعلومِ في ذلكَ الوَقتِ إسلامُ الكَثيرِ مِن قُرَيشٍ وغَيرِهم، ولَكِن ممّا لا شَكَّ فيه أنَّ أبا ذَرٍّ كانَ مِن النُّجَباءِ الأوَّلين السَّابقين. ثمّ بَعدَ إسلامِه رَجَعَ إلى بِلادِ قَومِه فأَقامَ بها داعياً للحَقّ حتّى مَضَت بَدرٌ وأُحُدٌ والخَندَق، ثمّ قَدِمَ على النَّبيّ ﷺ المَدينةَ فصَحِبَه إلى أن انتَقَلَ إلى الرَّفيقِ الأَعلى.
٣ قِصَّةُ إسلامِه المُبارَك
عَن أَبي جَمرَةَ قال: قالَ لنا ابنُ عَبّاسٍ رضي الله عنهما: أَلا أُخبِرُكم بإسلامِ أَبي ذَرّ؟ قُلنا: بَلى. قال: قالَ أبو ذَرٍّ رضي الله عنه:
«كُنتُ رَجُلاً مِن غِفار، فبَلَغَنا أنَّ رَجُلاً خَرَجَ بمَكّةَ يَزعُمُ أنَّه نَبيّ، فقُلتُ لأَخي: انطَلِقْ إلى هذا الرَّجُلِ فكَلِّمْه وائتِني بخَبَرِه، فانطَلَقَ فلَقيَه، ثمّ رَجَعَ فقُلتُ: ما عِندَك؟ فقال: «واللهِ لَقَد رَأَيتُ رَجُلاً يَأمُرُ بالخَيرِ ويَنهى عَن الشَّرّ». فقُلتُ له: لَم يَشفِني مِن الخَبَر، فأَخَذتُ جِراباً وعَصا ثمّ أَقبَلتُ إلى مَكّة، فجَعَلتُ لا أَعرِفُه، وأَكرَهُ أن أَسأَلَ عَنه، وأَشرَبُ مِن ماءِ زَمزَم، وأَكونُ في المَسجد. قال: فمَرَّ بي عَليٌّ رضي الله عنه، فقال: كأنَّ الرَّجُلَ غَريب. قُلتُ: نَعَم. قال: فانطَلَقَ إلى المَنزل. قال: فانطَلَقتُ مَعَه لا يَسأَلُني عَن شَيءٍ ولا أُخبِرُه. ثمّ لمّا أَصبَحتُ غَدَوتُ إلى المَسجدِ لأَسأَلَ عَنه، ولَيسَ أَحَدٌ يُخبِرُني عَنه بشَيء. فمَرَّ بي عَليٌّ، فقال: أَما آنَ للرَّجُلِ أن يَعرِفَ مَنزِلَه بَعد؟ قُلتُ: لا. قال: انطَلِقْ مَعي. قال: فقالَ ما أَقدَمَكَ هذه البَلدة؟ قُلتُ له: إن كَتَمتَ عليَّ أَخبَرتُك. قال: فإني أَفعَل. قُلتُ له: بَلَغَنا أنَّه خَرَجَ هاهنا رَجُلٌ يَزعُمُ أنَّه نَبيّ، فأَرسَلتُ أَخي لِيُكَلِّمَه، فرَجَعَ ولم يَشفِني مِن الخَبَر، فأَرَدتُ أن أَلقاه. فقالَ: أَما إنَّكَ قَد رَشِدت، هذا وَجهي، فاتَّبِعني، وادخُلْ حَيثُ أَدخُل، فإني إن رَأَيتُ أَحَداً أَخافُه عَلَيكَ قُمتُ إلى الحائطِ أُصلِحُ نَعلي، وامضِ أَنت. قال: فمَضى ومَضَيتُ مَعَه حتّى دَخَل، ودَخَلتُ مَعَه على النَّبيّ ﷺ، فقُلتُ: يا رَسولَ الله، اعرِضْ عليَّ الإسلام، فعَرَضَ عليَّ الإسلامَ فأَسلَمتُ مَكاني. قال: فقالَ لي: «يا أبا ذَرّ، اكتُم هذا الأَمر، وارجِعْ إلى بَلَدِك، فإذا بَلَغَكَ ظُهورُنا فأَقبِلْ». قال: فقُلتُ: والَّذي بَعَثَكَ بالحَقِّ لأَصرُخَنَّ بها بينَ أَظهُرِهم! فجاءَ إلى المَسجدِ وقُرَيشٌ فيه، فقال: «يا مَعشَرَ قُرَيش، أَشهَدُ أن لا إلهَ إلاّ الله، وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُه ورَسولُه». فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابئ. فقاموا فضُرِبتُ لأَموت، فأَدرَكَني العَبّاس، فأَكَبَّ عليَّ، ثمّ أَقبَلَ عَلَيهم، فقال: وَيلَكم! تَقتُلونَ رَجُلاً مِن بَني غِفار، ومَتجَرُكم ومَمَرُّكم على غِفار؟ فأَقلَعوا عَنّي. فلمّا أَصبَحتُ الغَد، رَجَعتُ فقُلتُ مِثلَ ما قُلتُ بالأَمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابئ، فأَدرَكَني العَبّاسُ فأَكَبَّ عليَّ، وقالَ مِثلَ مَقالَتِه بالأَمس، فكانَ أوَّلُ إسلامِ أَبي ذَرّ».
أخرجَه البُخاريُّ (٤/١٨٤)، ومُسلمٌ (٤/١٩٢٣)، والحاكمُ (٣/٣٤٢)، والبَزّار (٩/٣٣٣)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢/١٤٢)٤ كانَ تارِكاً لِشِركِ قَومِه باحِثاً عَن الدِّينِ الحَقّ
كَما تَقَدَّمَ مَعَنا في قِصَّةِ إسلامِه، فقَد أَوضَحَ أبو ذَرٍّ رضي الله عنه للصَّحابةِ أَيضاً حالَه قُبَيلَ الإسلام: أنَّه كانَ تارِكاً لِشِركِ قَومِه، مُتَحَنِّفاً على الفِطرة، مُوَحِّداً لإلهِ السَّماء.
عَن عبدِ اللهِ بنِ الصّامِتِ قال: قالَ لي أبو ذَرٍّ رضي الله عنه:
«يا ابنَ أَخي، صَلَّيتُ قَبلَ الإسلامِ بأَربَعِ سِنين». قالَ له: مَن كُنتَ تَعبُد؟ قال: «إلهَ السَّماء». قُلتُ: فأَينَ كانَت قِبلَتُك؟ قال: «حَيثُ وَجَّهَني الله»».
أخرجَه مُسلمٌ (٤/١٩٢٣)، والطَّبَرانيُّ في الأَوسَط (٣/٢٤٦)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (١/١٥٧)٥ مَناقبُه العُظمى رضي الله عنه
فَضائلُه رضي الله عنه كَثيرةٌ وافِرة، أَذكُرُ مِنها على سَبيلِ الذِّكر:
أَصدَقُ لَهجَةً على وَجهِ الأَرض
عَن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضي الله عنهما قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقول:
«ما أَقَلَّتِ الغَبراءُ (ما حَمَلَتِ الأَرض)، ولا أَظَلَّتِ الخَضراءُ (السَّماء)، مِن رَجُلٍ أَصدَقَ لَهجَةً مِن أَبي ذَرّ».
أخرجَه التِّرمِذيُّ (٥/٦٦٩)، وابنُ ماجَه (١/٥٥)، وابنُ أبي شَيبة (٦/٣٨٧)، وأحمد (٢/١٦٣) — والحَديثُ صَحيحشَبيهُ عيسى ابنِ مَريَمَ عليه السَّلام
عَن مَرثَدٍ، عَن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ:
«ما تَقُلُّ الغَبراء، ولا تُظِلُّ الخَضراء، مِن ذي لَهجَةٍ أَصدَقَ، ولا أَوفى مِن أَبي ذَرّ، شَبيهِ عيسى ابنِ مَريَم». فقامَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رضي الله عنه فقال: يا رَسولَ الله، فنَعرِفُ ذلكَ له؟ قال: «نَعَم، فاعرِفوه له».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٣٨٥)، وابنُ حِبّان (١٦/٦٨) — صَحيحٌ على شَرطِ مُسلموعَن سيّدِنا عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ:
«مَن سَرَّه أن يَنظُرَ إلى شَبيهِ عيسى ابنِ مَريَمَ خَلقاً وخُلُقاً، فَليَنظُرْ إلى أَبي ذَرّ».
أخرجَه الطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢/١٤٩)النَّبيُّ ﷺ يُدنيه ويَفتَقِدُه
وعَن أَبي الدَّرداءِ رضي الله عنه قال:
«كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لَيُدني (يُقَرِّب) أَبا ذَرٍّ إذا حَضَر، ويَفتَقِدُه إذا غاب».
أخرجَه الطَّبَرانيُّ في مُسنَدِ الشَّاميين (٢/٣٤٤) — وإسنادُه حَسَنشَهادَةُ سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه فيه
عَن زاذانَ قال: سُئِلَ عَليٌّ رضي الله عنه عَن أَبي ذَرّ، فقال:
«وَعى عِلماً عَجَزَ فيه (أَعجَزَ عَن كَشفِ ما عِندَه)، وكانَ شَحيحاً حَريصاً، شَحيحاً على دينِه (لا يُضَيِّعُه بالدُّنيا)، حَريصاً على العِلم (بأَخذِه)، وكانَ يُكثِرُ السُّؤال، فيُعطى ويُمنَع».
أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٤/٢٣٢)فائدة
وكانَ سيّدُنا أبو ذَرٍّ رضي الله عنه في عِلمِه مِن رُتبةِ سيّدِنا عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه.
٦ الخادِمُ الكَريمُ يَتَلَقّى تَعليماتِ سَيِّدِه ﷺ ويُنَفِّذُها
عَن أَسماءَ بِنتِ يَزيدَ رضي الله عنها:
«أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفاريَّ كانَ يَخدُمُ النَّبيَّ ﷺ، فإذا فَرَغَ مِن خِدمَتِه، آوى إلى المَسجد، فكانَ هو بَيتَه، يَضطَجعُ فيه. فدَخَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسجدَ لَيلَة، فوَجَدَ أبا ذَرٍّ نائماً مُنجَدِلاً في المَسجد، فنَكَتَه رَسولُ اللهِ ﷺ برِجلِه (أي: لَمَسَ النَّبيُّ ﷺ بيَدِه رِجلَ أَبي ذَرٍّ لِيوقِظَه) حتّى استَوى جالِساً، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَلا أَراكَ نائِماً؟». قالَ أبو ذَرّ: يا رَسولَ الله، فأَينَ أَنام، هَل لي مِن بَيتٍ غَيرُه؟ فجَلَسَ إليه رَسولُ اللهِ ﷺ، فقالَ له: «كَيفَ أَنتَ إذا أَخرَجوكَ مِنه؟» قال: إذَن أَلحَقُ بالشَّام، فإنَّ الشَّامَ أَرضُ الهِجرَة، وأَرضُ المَحشَر، وأَرضُ الأَنبياء، فأَكونُ رَجُلاً مِن أَهلِها. قالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ: «كَيفَ أَنتَ إذا أَخرَجوكَ مِن الشَّام؟» قال: إذَن أَرجِعُ إليه، فيَكونُ هو بَيتي ومَنزِلي. قال: «فكَيفَ أَنتَ إذا أَخرَجوكَ مِنه الثّانِيَة؟» قال: إذَن آخُذُ سَيفي، فأُقاتِلُ عَنّي حتّى أَموت. قال: فكَشَرَ إليه رَسولُ اللهِ ﷺ فأَثبَتَه بيَدِه، وقال: «أَدُلُّكَ على خَيرٍ مِن ذلك؟». قال: بأَبي أَنتَ وأُمّي يا نَبيَّ الله، بَلى. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «تَنقادُ لَهم حَيثُ قادوك، وتَنساقُ لَهم حَيثُ ساقوك، حتّى تَلقاني وأَنتَ على ذلك»».
أخرجَه أحمد (٦/٤٥٧) — وإسنادُه حَسَنوَصِيَّةٌ نَبَويّةٌ بمُغادَرَةِ المَدينةِ عندَ بُلوغِ البُنيانِ سَلعاً
عَن مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لأَبي ذَرّ:
«إذا بَلَغَ البُنيانُ سَلعاً (جَبَلٌ يُحيطُ بالمَدينة) فاخرُج مِنها»، ونَحا بيَدِه نَحوَ الشَّام، «ولا أَرى أُمَراءَكَ يَدعونَك». قال: يا رَسولَ الله، أَفَلا أُقاتِلُ مَن يَحولُ بَيني وبينَ أَمرِك؟ قال: «لا». قال: فما تَأمُرُني؟ قال: «اسمَع وأَطِعْ، ولَو لعَبدٍ حَبَشيّ». قال: فلمّا كانَ ذلكَ خَرَجَ إلى الشَّام.
أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٤/٢٢٧) — رِجالُه ثِقاتفلمّا كَتَبَ مُعاويةُ إلى عُثمانَ يَشتَكيه، بَعَثَ إليه عُثمانُ فقَدِمَ عَلَيه، ثمّ قالَ له عُثمان: كُنْ عِندي تَغدو عَلَيكَ اللِّقاح (النُّوقُ الحامِلَةُ للخَير). قال: «لا حاجَةَ لي في دُنياكم». قال: ائذَن لي حتّى أَخرُجَ إلى الرَّبَذَة، فأَذِنَ له، فخَرَجَ إلى الرَّبَذَة. وقد أُقيمَتِ الصَّلاة، وعَلَيها عَبدٌ لعُثمانَ حَبَشيّ، فتَأَخَّر، فقالَ أبو ذَرّ: «تَقَدَّم فصَلِّ، فقَد أُمِرتُ أن أَسمَعَ وأُطيعَ ولَو لعَبدٍ حَبَشيّ، فأَنتَ عَبدٌ حَبَشيّ».
٧ وَصايا نَبَويّةٌ لخادِمِه المُعَلَّم
كانَ سيّدُنا النَّبيُّ ﷺ يوصي خادِمَه أبا ذَرٍّ رضي الله عنه بوَصايا قَيِّمة، تَركَ لنا خادِمُه الأمينُ مِنها ما يَنيرُ الدُّروب.
الوَصايا السَّبع
عَن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال:
«أوصاني خَليلي ﷺ بسَبع:
ــ بحُبِّ المَساكين، وأن أَدنو مِنهم،
ــ وأن أَنظُرَ إلى مَن هو أَسفَلُ مِنّي، ولا أَنظُرَ إلى مَن هو فَوقي،
ــ وأن أَصِلَ رَحمي، وإن جَفاني،
ــ وأن أُكثِرَ مِن «لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلاّ بالله»،
ــ وأن أَتَكَلَّمَ بمُرِّ الحَقّ، ولا تَأخُذَني في اللهِ لَومَةُ لائم،
ــ وأن لا أَسأَلَ النّاسَ شَيئاً».
وَصايا الاستِزادة
وعَن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قُلتُ يا رَسولَ الله، أَوصِني. قال:
««أوصيكَ بتَقوى اللهِ، فإنَّها رَأسُ أَمرِك». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «عَلَيكَ بتِلاوةِ القُرآنِ وذِكرِ الله، فإنَّ ذلكَ نورٌ لكَ في الأرضِ ونورٌ لكَ في السَّماوات». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «لا تُكثِر الضَّحك، فإنَّه يُميتُ القَلبَ ويُذهِبُ نورَ الوَجه». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «عَلَيكَ بالجِهاد، فإنَّه رَهبانيّةُ أُمَّتي». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «عَلَيكَ بالصَّمتِ إلاّ مِن خَير، فإنَّه مَردَةٌ للشَّيطانِ عَنك، وعَونٌ لكَ على أَمرِ دينِك». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «انظُر إلى مَن هو دونَك، ولا تَنظُر إلى مَن هو فَوقَك، فإنَّه أَجدَرُ أن لا تَزدَريَ نِعمَةَ اللهِ عِندَك». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «صِلْ قَرابَتَكَ وإن قَطَعوك». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «لا تَخَف في اللهِ لَومَةَ لائم». قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ زِدني. قال: «تُحِبُّ للنّاسِ ما تُحِبُّ لنَفسِك». ثمّ ضَرَبَ بيَدِه على صَدري فقال: «يا أبا ذَرّ، لا عَقلَ كالتَّدبير، ولا وَرَعَ كالكَفّ، ولا حَسَبَ كحُسنِ الخُلُق»»».
أخرجَه ابنُ حِبّان (٢/٧٩)، والطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢/١٥٧) — وإسنادُه صَحيح٨ المُفتي الصَّادِعُ بالحَقّ
عَن أَبي مَرثَدٍ قال:
«أَتَيتُ أبا ذَرٍّ رضي الله عنه وهو جالِسٌ عندَ الجَمرَةِ الوُسطى، وقَد اجتَمَعَ عَلَيه النَّاسُ يَستَفتونَه، فأَتاه رَجُلٌ فوَقَفَ عَلَيه، ثمّ قال: أَلَم تُنهَ عَن الفُتيا؟ فرَفَعَ رَأسَه إليه، فقال: «أَرَقيبٌ أَنتَ عليَّ؟ لو وَضَعتُم الصَّمصامةَ على هذه — وأَشارَ إلى قَفاه — ثمّ ظَنَنتُ أنّي أُنفِذُ كَلِمةً سَمِعتُها مِن رَسولِ اللهِ ﷺ قَبلَ أن تُجيزوا عَليَّ، لأَنفَذتُها»».
أخرجَه الدّارميُّ (١/٦٥٤)، وابنُ زَنجَوَيه في الأَموال (٣/٨٩١)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (١/١٦٠) — حَديثٌ صَحيح، عَلَّقَ البُخاريُّ طَرَفاً مِنه في كِتابِ العِلمشَهادَةُ سيّدِنا عليٍّ رضي الله عنه
وعَن ثَعلَبةَ بنِ الحَكَم أنَّه قال عَن عليٍّ رضي الله عنه:
«لَم يَبقَ اليَومَ أَحَدٌ لا يُبالي في اللهِ لَومةَ لائمٍ غَيرَ أَبي ذَرّ، ولا نَفسي». ثمّ ضَرَبَ بيَدِه إلى صَدرِه.
أخرجَه ابنُ سَعدٍ في الطَّبَقات (٤/٢٣١)٩ الخادِمُ العالِمُ يُلَقِّنُ المُداهِنينَ دَرساً بَليغاً
كانَ رضي الله عنه على رَأسِ أولئكَ الَّذينَ حارَبوا الَّذينَ أَدخَلوا الإسرائيليّاتِ والخُرافاتِ في الدِّين. فقَد جَلَسوا يَتَكَلَّمونَ ويُداهِنونَ في عَصرِ خِلافةِ سيّدِنا عُثمانَ رضي الله عنه، وهو كَعبُ الأَحبار — وهو عالِمٌ دَخَلَ الإسلام، ولَكِنَّه بَقيَت عندَه رَواسِبُ مِن عِلمِه خَلَطَها في قَصَصِه، فأَتى بالغَرائبِ والعَجائب.
عَن عبدِ اللهِ بنِ الصّامِتِ قال: دَخَلتُ مَعَ أَبي ذَرٍّ على عُثمانَ رضي الله عنه:
«وعَلى أَبي ذَرٍّ عِمامة، فرَفَعَ العِمامةَ عَن رَأسِه (احتِراماً) وقال: «إنّي وَاللهِ يا أَميرَ المُؤمِنين ما أَنا مِنهم (أي: الخارِجينَ عَلَيك)، ولَو أَمَرتَني أن أَعَضَّ على عُرقوبي قَتَبٍ لَعَضَضتُ عَلَيهِما حتّى يَأتِيَني المَوتُ وأنا عاضٌّ عَلَيهِما». قال: «صَدَقتَ يا أبا ذَرّ، إنَّما إنّا أَرسَلنا إلَيكَ لخَير، لتُجاوِرَنا بالمَدينة». قال: «لا حاجةَ لي في ذاك، ائذَن لي في الرَّبَذَة». قال: «نَعَم، ونَأمُرُ لكَ بنَعَمٍ مِن نَعَمِ الصَّدَقة، تَغدو عَلَيكَ وتَروح». قال: «لا حاجةَ لنا في ذاك، يَكفي أَبا ذَرٍّ صِرمَتُه». قال: ثمّ خَرَج، فلمّا بَلَغَ البابَ التَفَتَ إلَيهم فقال: «يا مَعاشِرَ قُرَيش، اعذِموها (خُذوها) دَعونا ودينَنا». ودَخَلَ عَلَيه وهو يَقسِمُ مالَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ بينَ وَرَثَتِه، وعِندَه كَعب، فأَقبَلَ عُثمانُ فقال: «يا أبا إسحاق، ما تَقولُ في رَجُلٍ جَمَعَ هذا المال، فكانَ يَتَصَدَّقُ مِنه، ويَحمِلُ في السَّبيل، ويَصِلُ الرَّحِم؟» فقالَ (كَعب): «إنّي لأَرجو له الجَنَّة». فغَضِبَ أبو ذَرٍّ ورَفَعَ عَلَيه العَصا وقال: «ما يُدريكَ يا ابنَ اليَهوديّة! ليَوَدَّنَّ صاحبُ هذا المالِ يومَ القِيامةِ لَو أنَّ كانَ عَقاربَ تَلسَعُ السَّوَيداءَ مِن قَلبِه»».
أخرجَه ابنُ أبي شَيبة في تاريخِ المَدينة (٣/١٠٣٧)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (١/١٦٠) — وإسنادُه حَسَنحَقيقةُ الخِلافِ لا فِتنَتُه
عاشَ سيّدُنا أبو ذَرٍّ رضي الله عنه حَياتَه مُناهِضاً لاستِغلالِ الدِّينِ والحُكم، وتَسفيهِ الشُّعوبِ ودَورِها. كانَ يَدعو لتَحريرِ العُقولِ قَبلَ الأَجساد، ويَرفُضُ العُبوديّةَ للأَشخاصِ وتَبَعيَّةَ الأَذناب. عاشَ ناصِحاً لا ناقِداً، فاضِحاً ناقِضاً، فبَقيَ مَنارةً للتّائِهينَ حتّى وَفاتِه. وقَد أَنكَرَ الحافِظُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ما شاعَ مِن أنَّ عُثمانَ رضي الله عنه سَيَّرَ أَبا ذَرٍّ إلى الرَّبَذَة، وأنَّ الحَقيقةَ أنَّه خَرَجَ مِن نَفسِه، ولم يُسَيِّرْه عُثمان — كَما شَهِدَت بذلك السَّيّدةُ أمُّ ذَرٍّ رضي الله عنها، وكَعادَةِ الحَثالةِ الَّذينَ استَغَلّوا ذلكَ لِمَآربِهم.
آيَةُ الوَعيد الَّتي كانَ يَتَشَدَّدُ فيها
﴿وَالَّذينَ يَكنِزونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنفِقونَها في سَبيلِ اللهِ فبَشِّرهُم بعَذابٍ أَليم﴾
سورةُ التَّوبة — الآية ٣٤
قالَ الحافِظُ ابنُ عبدِ البَرّ: كانَ أبو ذَرٍّ رضي الله عنه يَذهَبُ إلى أنَّ كُلَّ مالٍ مَجموعٍ يَفضُلُ عَن القوتِ وسَدادِ العَيشِ فهو كَنزٌ يُذَمُّ فاعِلُه. وخالَفَه في ذلكَ جُمهورُ الصَّحابةِ ومَن بَعدَهم، وحَمَلوا الوَعيدَ على مانعي الزَّكاة.
١٠ زُهدُه ووَفاتُه رضي الله عنه
نَهَجَ سيّدُنا أبو ذَرٍّ رضي الله عنه مَنهَجاً صَعباً بالزُّهدِ يَتَناسَبُ مَعَ شَخصِيَّتِه العَظيمة. ولذلكَ اختارَ له سيّدُنا رَسولُ اللهِ ﷺ ألاّ يَتَولّى شُؤونَ النَّاسِ العامّة، إذ على الأَميرِ مُراعاةُ مَصالحِ رَعِيَّتِه الدُّنيويَّةِ والدّينيَّة، وأَخذُهُ إلى الرُّخصةِ والغِنى والرَّاحةِ لا الزُّهدَ والوَرَعَ والضِّيق.
عَن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال:
««يا أبا ذَرّ، إنّي أَراكَ ضَعيفاً، وإنّي أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنَفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنَين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتيم»».
أخرجَه مُسلمٌ (٣/١٤٥٧)، وأبو داودَ (٣/١٣٤)، والنَّسائيُّ (٦/٢٥٥)، وابنُ حِبّان (١٢/٥٧٣)مِن زُهدِه: يَرُدُّ ثَلاثَمِئَةِ دينار
عَن مُحَمَّدِ بنِ سيرينَ قال:
«بَلَغَ الحارِثَ — رَجُلٌ كانَ بالشَّامِ مِن قُرَيش — أنَّ أبا ذَرٍّ كانَ به عَوَز، فبَعَثَ إليه بثَلاثِ مِئَةِ دينار. فقال: «ما وَجَدَ عبدُ اللهِ مَن هو أَهوَنُ عَلَيه مِنّي! سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقول: مَن سَأَلَ وله أَربَعونَ فقَد أَلحَف». ولأَبي ذَرٍّ أَربَعونَ دِرهماً، وأَربَعونَ شاة، وماهِنانِ (خادِمان)».
أخرجَه الطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢/١٥٠)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (١/١٦١) — وإسنادُه صَحيحوعَن أَبي شُعبةَ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى أَبي ذَرٍّ يَعرِضُ عَلَيه نَفَقة، فقالَ أبو ذَرّ:
««عِندَنا أَعنُزٌ نَحتَلِبُها، وحُمُرٌ تُنَقِّل، ومُحَرَّرَةٌ تَخدُمُنا، وفَضلُ عَباءةٍ عَن كِسوَتِنا، إنّي لَأَخافُ أن أُحاسَبَ على الفَضل»».
أخرجَه الطَّبَرانيُّ في الكَبير (٢/١٥٠)، وأبو نُعَيمٍ في الحِلية (١/١٦٣)وَفاتُه رضي الله عنه
كانَت وَفاتُه بالرَّبَذَةِ سنَةَ إحدى وثَلاثين، وقيلَ في السَّنَةِ الَّتي بَعدَها وعَلَيه الأَكثَر، وصَلّى عَلَيه سيّدُنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه. والرَّبَذَة: مَدينةٌ تَقَعُ في شَرقِ المَدينةِ المُنَوَّرة، وتَبعُدُ عَنها قُرابةَ ١٧٠ كم تَقريباً.
عَن سيّدِنا عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال:
«لمّا سارَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى تَبوك، جَعَلَ لا يَزالُ يَتَخَلَّفُ الرَّجُل، فيَقولون: يا رَسولَ الله، تَخَلَّفَ فُلان. فيقول: «دَعوه، إن يَكُ فيه خَيرٌ فسَيُلحِقُه اللهُ بكم، وإن يَكُ غَيرَ ذلكَ فقَد أَراحَكم اللهُ مِنه». حتّى قيل: يا رَسولَ الله، تَخَلَّفَ أبو ذَرّ، وأَبطَأَ به بَعيرُه. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «دَعوه، إن يَكُ فيه خَيرٌ فسَيُلحِقُه اللهُ بكم، وإن يَكُ غَيرَ ذلكَ فقَد أَراحَكم اللهُ مِنه». فتَلَوَّمَ أبو ذَرٍّ رضي الله عنه على بَعيرِه، فلمّا أَبطَأَ عَلَيه أَخَذَ مَتاعَه فجَعَلَه على ظَهرِه، ثمّ خَرَجَ يَتبَعُ رَسولَ اللهِ ﷺ ماشِياً. ونَزَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ في بَعضِ مَنازِلِه، ونَظَرَ ناظِرٌ مِن المُسلِمين، فقال: يا رَسولَ الله، هذا رَجُلٌ يَمشي على الطَّريقِ وَحدَه. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «كُنْ أبا ذَرّ». فلمّا تَأَمَّلَه القَومُ قالوا: هو واللهِ أبو ذَرّ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «رَحِمَ اللهُ أبا ذَرّ، يَمشي وَحدَه، ويَموتُ وَحدَه، ويُبعَثُ وَحدَه». فضَرَبَ الدَّهرُ مِن ضَربَتِه، وسُيِّرَ أبو ذَرٍّ إلى الرَّبَذَة. فلمّا حَضَرَه المَوتُ أَوصى امرَأَتَه وغُلامَه: «إذا مِتُّ فاغسِلاني، وكَفِّناني، ثمّ احمِلاني فضَعاني على قارِعةِ الطَّريق، فأَوَّلُ رَكبٍ يَمُرّونَ بكم فقولوا: هذا أبو ذَرّ». فلمّا ماتَ فَعَلوا به كذلك، فاطَّلَعَ رَكب، فما عَلِموا به حتّى كادَت رَكائبُهم تَطَأُ سَريرَه، فإذا ابنُ مَسعودٍ في رَهطٍ مِن أَهلِ الكوفة، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: هذه جِنازةُ أَبي ذَرّ. فاستَهَلَّ ابنُ مَسعودٍ يَبكي، وقال: «صَدَقَ رَسولُ اللهِ ﷺ: رَحِمَ اللهُ أبا ذَرٍّ، يَمشي وَحدَه، ويَموتُ وَحدَه، ويُبعَثُ وَحدَه». فنَزَلَ فوَلِيَه بنَفسِه حتّى أَجَنَّه. فلمّا قَدِموا المَدينةَ ذُكِرَ لعُثمانَ قَولُ عبدِ الله، فقال: «رَحِمَه اللهُ ووَليَ مِنه»».
أخرجَه الحاكمُ (٣/٥٢)، والبَيهقيُّ في الدَّلائل (٥/٢٢١)
رَضيَ اللهُ عَنكَ يا سَيِّدي يا أبا ذَرّ،
يا صادِقَ اللَّهجة، يا شَبيهَ عيسى ابنِ مَريَم